سياسة

نيكسون…بريكس “من صدمة إحتلال لصدمة تحرر”

بقلم : خالد عبدالحميد مصطفي

لقد جاء اليوم الذي أدركت فيه الإنسانية أنه لابد من التحرر من الهيمنة الأمريكية علي العالم، وما خلفته هذه الهيمنة من قتل ودمار وضياع للأوطان، وجاء الوقت الذي أدرك فيه العالم مؤخراً أن من صالحه التحلق حول حكومة ديمقراطية تتولي أمر العالم في ظل آلية تضمن حق الشعوب في حياة كريمة، حكومة تعمل بروح التعاون متجاوزة مصالح أكثر الأنظمة العالمية قوة ومقدرة، حكومة تعمل في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وصادق يحمي هوية كل حضارة ويدير بإقتدار مصالح الإنسانية جمعاء.
الكل أجمع علي أن الهيمنة الأمريكية دمرت العالم وفرقت الأمم وقتلت المحبة والسلام بين الشعوب،
بدأت الهيمنة الأمريكية عقب إنتهاء الحرب الأمريكية المكسيكية والتي لن نخوض في تفاصيلها غير إنها إنتهت بإتفاقية سلام بشروط المُنتٓصِر المختل، والتي فيها واشنطن علي ما ليس لها حق فيه .
وبعد الحرب العالمية الثانية إتجهت الدول المنتصرة إلي البدأ في تقسيم التركة العالمية ورسم صورة جديدة للعالم في ظل إختلاف موازين القوى والتي كانت أمريكا هي الأقوى عسكرياً وإقتصادياً مما مكنها من وضع الكثير من تفاصيل هذه الصورة للعالم الجديد .
ومن هنا بدأ التخطيط للهيمنة والتحكم الصامت في سيادة الدول، عندما تمت إتفاقية ” بريتون وودز ” عام ١٩٤٤م، تلك الإتفاقية التي جعلت الدولار هو المعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم، حيث تعهدت واشنطن في هذه الإتفاقية أمام العالم بأنها ستملك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات، ونصت أيضاً الإتفاقية علي من يسلم واشنطن أي كمية من الدولارات تسلمه قيمتها أوقية من الذهب، وصار يسمى الدولار بعد ذلك بالعملة الصعبة، حيث إكتسب الدولار ثقة دولية، وذلك لإطمئنان الدول بوجود غطاء من الذهب لأرصدتها من هذه العملة الصعبة.
وبدأ يلوح في الأُفق السراب المُمٓنهج عندما تسارعت الدول في جمع أكبر عدد من الدولارات التي ملأت بها خزائنها، علي أمل تحويله لقيمته من الذهب في أي وقت تريده. وإستمر الوضع علي هذا الحال حتي خرج الرئيسي الأمريكي ” نيكسون” يفاجئ العالم في مشهد درامي لا يتصور حتي في أفلام الخيال العلمي، ليصدم العالم كله بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسطيع تسليم حاملي الدولارات ما يقابل قيمته من الذهب، ليكتشف العالم وقتها أن واشنطن كانت تطبع الدولارات بعيداً عن وجود الغطاء الذهبي الموازي لقيمة الطبع، وأنها إشترت وإمتلكت ثروات الشعوب بحفنة أوراق خضراء لا غطاء ذهبي لها، أي أن الدولارات ببساطة عبارة عن أوراق تطبعها الماكينات الأمريكية ثم تحدد بعد ذلك قيمة الورقة فقط فئة ١٠ أو ١٠٠ أو ٥٠٠ دولار علي حسب ما تريد، بينما الحقيقة المُرة أن الثلاث ورقات هم نفس القيمة والخامة ونفس الوهم بإختلاف الرقم المطبوع فقط .
ثم أعلن الرئيسي الأمريكي حينها أن الدولار سيُعوّٓم، أي ينزل في السوق تحت المضاربة، وسعر صرفه يحدد العرض والطلب بدعوة أن الدولار قوي بسمعة أمريكا وقوة إقتصادها، وكأن هذه القوة ليست مستمدة من تلك الخُدعة الكبري التي إستغفلت بها العالم.
لم تستطيع أي دولة علي الإعتراض وإعلان رفض هذا النظام النقدي الجديد، لأن هذا كان يعني أن كل ما خزنته هذه الدول من مليارات الدولارات في بنوكها سيصبح ورق بلا قيمة إذ لم تعترف بالدولار، وهي نتيجة أكثر كارثية مما فرضته الإتفاقية.
سميت هذه النكسة بعد ذلك بــ” صدمة نيكسون ” أو ” نكسة نيكسون” والتي قال نيكسون وقتها كلمته الشهيرة ” يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها ويجب أن يلعبوها كما وضعناها، في إشارة إلي إكتمال عملية السيطرة الصامتة علي النظام العالمي.
وعاش العالم تحت هذه المظلة عام تلو عام تحت سيطرة صُنّاع القرار في العالم، الذين سعوا في الأرض فساداً ودماراً، ضاربين بالكيانات الدولية عرض الحائط.
وإنشغلت الشعوب بالحروب المصطنعة من حروب بالسلاح لحروب باردة ثم لحروب إقتصادية، حتي بدأت المفاوضات بين الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا عام 2006م .
وتشكلت المجموعة تحت إسم ” بريك ” قبل إنضمام جنوب إفريقيا عام 2010 ليصبح إسمها ” بريكس”
وهذه كتلة لا يستهان بها، حيث يشكل الناتج المحلي لمجموعة بريكس نحو ما يقرب من ٢٦ تريليون دولار عام 2022 بنسبة ٢٥.٦% من الناتج المحلي العالمي . بالإضافة إلي أن تلك الدول تمثل ٤٢% من سكان العالم، وأكثر من ١٦% من التجارة العالمية.
وبعد الحرب الروسية الأوكرانية والتي كانت ومازالت بدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية والتي أثرت علي الإقتصاد العالمي .
ثم رأت الدول الكبرى أن الحل الوحيد للحفاظ علي كياناتها وعلي الأمن الغذائي العالمي هو التحرر من هيمنة الدولار والإنضمام إلي مجموعة ” بريكس “
ويعطي إنضمام مصر مؤخراً لمجموعة بريكس بعد إنضمام كلاً من إثيوبيا والأرجنتين والسعودية والإمارات وإيران، قوة تأثير كبيرة علي نشاط المجموعة الاقتصادية . ليس لأن مصر تمتلك قوة إقتصادية أو إحتياطي نقدي كبير، لا . ولكن لأن مصر تمتلك الآليات التي تمكنها من إضافة قوة بمجرد إنضمامها لأي كيان دولي مشترك ومن أهم هذه الآليات إمنتلاك مصر قناة السويس الممر الملاحي الذي تمر منه حوالي ١٢% من التجارة العالمية، وهو ما قد يُتيح مستقبلاً لدول تجمع بريكس دفع رسوم مرور تجارتها بعملاتها المحلية والإستغناء عن الدولار ، في خطوة للمحاولة علي الحد من هيمنة الدولار علي المعاملات الدولية في التجارة والخدمات، عبر تقليل إعتماد إقتصادات العالم علي نظام الدولار. ولأن مصر أيضاً بوابة إفريقيا من الشمال وتمتلك مُناخ قابل لأي إستثمار عالمي، حقاً إنها مصر، مهما مرت بأي ظروف صعبة، تظل مصر هي الأقوى بإذن الله. وأخيراً فإن دول بريكس تعمل علي تأسيس نظام مالي متعدد فيما بينها،
وهذا يُتيح إقتراح لإحلال عملات الدول الأعضاء المحلية بدلاً من الدولار في تنفيذ المعاملات التجارية بينهم . وهذا يسمح لمصر بشراء إحتياجاتها من الدول العشر الأعضاء في بريكس بالعملات المحلية لتلك الدول ، بمعني إمكانية شراء القمح بالروببة الهندية أو باليوان الصيني أو بالروبل الروسي أو بغيره من عملات تلك الدول، وهذا هو معني النظام المالي المتعدد . ولا يعني إنضمام مصر لمجموعة بريكس التخلي الكامل عن التعاملات التجارية بالدولار، بل تقليل التعاملات البينية بالدولار الأمريكي وهذا يخفف من الضغط علي النقد الأجنبي في مصر والذي يمثل الدولار الحصة الأكبر منه، وهو ما يصب في صالح تحسين عدد من المؤشرات الإقتصادية المحلية.

وهذا القرار السيادي المصري بإنضمام مصر لمجموعة بريكس يعتبر تحدي علناً للغرب، وهذا هو الفرق بين الماضي الساكن والحاضر المُتغير، مصر علي الطريق الصحيح بإذن الله.

🇪🇬حفظ الله مِصرنا الغالية 🇪🇬

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى