سياسة

ريّٓحوا نفسكم يا مصريين.. ولا داعي لتوضيح الواضح

كتب: خالد عبدالحميد مصطفي

التفكير المزدوج، بات سمة ملحوظة يتسم بها غالبية المصريين، لعنة لم تُصيب فقط الطبقة البسيطة من عامة الشعب، لكنها ثمة تم ملاحظتها علي فئة من المثقفين والسياسيين والإعلاميين والمحسوبين علي صفوة المجتمع، ظهرت وبقوة بعد أحداث “يناير 2011” ثم بعد أحداث “30يونيو 2013” ثم مع إقتراب إنتهاء ولاية السيسي الثانية. تسمع أحدهم يقول الشئ ونقيضه، يفعل الشئ وعكسه، يؤيد ثم يُعارض نفس الشخص الذي آيّٓده، دون أن يشعر بأي إحراج أو تقليل من شخصيته، لعنة حقيقية يُصبح فيها مُزدوج الفكر قادراً علي تبنِّي الرأي وضده في آن واحد ، طالما أن كلاً منهما تمت صياغته بِسٓبْك وإحكام.

في أحداث “يناير 2011” إنطلقت مجموعة من التحركات الشعبية ذات الطابع السياسي والإجتماعي، حيث دعت بعض صفحات مواقع التواصل الإجتماعي المصريين إلي التخلص من النظام والفساد والأوضاع السياسية السيئة وسوء معاملة جهاز الشرطة للمواطنين وفرض حالة الطوارئ ، دعوات سبقتها بعض الأحداث التي ذادت من حدة التوتر والإحتجاجات ومنها إندلاع الثورة التونسية ومقتل الشاب خالد سعيد وحادث كنيسة القديسين، بالإضافة إلي إتهام المعارضة بتزوير نتائج الإنتخابات البرلمانية أنذاك.
وإندلعت الثورة، ولن نخوض في جوهر أحداث الثورة وما سببته من سرقات وسلب ونهب وفوضي عارمة كادت أن تُسقط كيان الدولة المصرية لولا تدخل القوات المسلحة في الوقت المناسب والتي قامت بدورها بتأمين منشئات ومرافق الدولة، وإستمرت الإعتصامات والإحتجاجات في عدة ميادين أدت إلي تنحي الرئيس مبارك وتخليه عن حكم البلاد يوم 11فبراير من نفس العام، وكلف المجلس الأعلي للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد.
وظهرت إزدواجية فكر غير مسبوقة عندما هاجم الإعلاميبن نظام مبارك وعهده وفساده وللأسف هم أنفسهم الذين كانوا يشيدون بعهده ورخائه، إزدواجية فكر ظهرت في الطبقة المثقفة بين تأييد لما حدث ثم الندم عليه ، إزدواجية فكر ظهرت أكثر في عامة الثوار عامة الشعب الذين سيطر عليهم العامل الإنساني ليبكوا ويتباكوا علي عِشْرٓة طالت أكثر من ثلاثون عاماً كانوا أُمناء علي إنتظام منطق الدولة وإنفاذ إرادتها، مهما كانت فاسدة أو رخوة.
عاد المصريين إلي ثكناتهم وحياتهم الطبيعية ــإلاــ أصحاب المصالح والأجندات الخاصة، الذين تصدروا المشهد طمعاً في النّٓيل من مُكتسبات الفوضي، لتحدث بعد ذلك أول إنتخابات رئاسية بعد أحداث يناير تُسفر عن فوز ممثل حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية وسط دهشة كبيرة من الشعب وإنقسام رهيب كاد أن يُفتك بوحدة الشعب المصري المُقدسة، لو لم يتم تصحيح المسار . تجد قطاعاً كبير من المصريين يتأرجحون في تأييدهم أو معارضتهم لنفس الأمر، وهو ما قد يحدث يومياً عدة مرات متأثراً بقراءة مقال أو سماع مداخلة تليفزيونية أو الإصغاء للإعلام الخارجي، أو يستمع لشخص مُعارض وساخط علي نفسه وعلي وطنه، ويتغير رأيه وفقاً لما يسمع من حجج وآراء بشكل سريع وحاد وغير مُبٓرر لدرجة تصعب عليك أحياناً معرفة موقف من تتحدث معه حيال أمرٍ ما .
ثم تأتي أحداث 30 يونيو لتقضي علي آمال فصيل معين، رأى الشعب المصري أن هذا الفصيل يمثل خطورة مستقبلية علي البلاد. وإندلعت أحداث 30يونيو مطالبة برحيل الرئيس مرسي بعد عام من توليه حكم البلاد، ثم رحل مرسي وتم وضع خارطة الطريق ثم إنتخابات رئاسية مبكرة تمكن من الترشح لها كلاً من الفريق عبد الفتاح السيسي وخصمه حمدين صباحي، وسرعان ما ظهرت إزدواجية الفكر في أمور عدة حيث دعا التحالف الوطني لدعم الشرعية بمقاطة الإنتخابات الرئاسية، وإعتبروا ذلك مقاطعة ثورية لمسرحية هزلية، وتم إستخدام شبكات التواصل الإجتماعي والإليكتروني بشكل مُكثف للدعوة إلي مقاطعة الإنتخابات، وكأن الشعب المصري عبيد لمزدوجي الفكر من السياسيين وأصحاب المصالح الشخصية، إلا أن الإنتخابات تمت وإنتهت بفوز المرشح المشير عبد الفتاح السيسي برئاسة الجمهورية .
لتسود البلاد حالة من الفرح والسعادة التي أنستهم الأحداث الدامية والفوضي التي تعرضت لها البلاد . وكأنه خروج إلي نهار جديد لدولة جديدة ونظام جديد قادر علي حماية الوطن ومواجهة الإرهاب الذي يُهدد أمن وأمان الوطن والمواطنين، وتم وضع خطة التنمية المستدامة للدولة، ولمس غالبية الشعب المصري سرعة البدء في البناء والتغيير، وتحركت سفينة النجاة بالبلاد متوجهة إلي بر الأمان لتتفاجئ في طريقها ببعض الأمواج العالية الفتاكة كظهور الوباء العالمي فيروس كورونا الذي أصاب الإقتصاد العالمي بشلل تام، ثم بحروب الوكالة ، الحرب الروسية الأوكرانية التي أثّٓرت تأثير واضح علي العالم ليس لأنها حرب بين دولتين ، بل إنها حرب بين قوتين تمثل توازن إقتصادي وعسكري عالمي، إلا أن السفينة رغم ما واجهته من صعوبات وصمود إلا إنها تسير نحو بر الأمان بأي تكلفة تمنع عدم إغراقها، إلا إننا نلاحظ إندفاع غريب ورغبة عارمة في الكلام، لكل قادر أو عاجز، مُستحق أو غير مستحق، فاهم أو غير فاهم، لدرجة وصل فيها الأمر في مناقشة الشأن العام إلي الحدة والتعصب للرأي، وما يرافقهما من إدّعاء بإمتلاك الحقيقة، وإحتكار الصواب، وما يؤدي له ذلك من إحتقار للآخر المختلف في الرأي أو الموقف، وتجريده أحياناً من الوطنية وإتهامه بالعمالة وبالكفر والزندقة، كل ذلك بمجرد إني أري مالاتري ، أو أُُشاهد مالا تُشاهد، أو أُؤيد وأقتنع بما لا تؤيده وتقتنع به .

يحاول قطاع كبير من المصريين بلورة نفسه كشخصية مُعارضة، ولعب أدوار الثائرين، يريد أن يلعب أدواراً ثورية مستديمة، دون أن يكون لديه الفهم أو المُبرر المُقنع لممارسة هذا الفعل في وقت مُعين، دون أن يكون لديه الوعي الكافي بما يُحاك له ويُحاك لهذا الوطن .
فاليوم لا مجال لمزدوجي الفكر أن يظهروا نزعتهم المُعارضة والرفض بالواقع، بغض النظر عما إذا كانوا يُدركون سبب المعارضة، أو يُعارضون ما يظهرون معارضته فعلاً. فاليوم غير الأمس، هناك مسيرة تسير ولابد لها أن تصل وتكتمل.

فالمسيرة إمّا أن تكتمل وتكون سيف نُحارب به أعداء الوطن ، أو تكتمل وتكون سيف نُحارب به أعداء الوطن . فليس هناك خيار ثالث.
وحماية هذا الوطن مسؤلية تقع في المقام الأول والأخير بالإجماع علي المؤسسة العسكرية، لذلك فإن المؤسسة العسكرية مُفوّٓضة بعمل ما تراه مناسب لحماية هذا الوطن، وما تراه صحيح وما تراه مناسب أو غير مناسب، ومن يكون ومن لا يُفترض أن يكون، مثلما هي مُفوضة لحماية أمن وأمان وإستقرار البلاد فهي لها الحق وبدون منازع أن ترى من هو مناسب وغير مناسب،.

علي الشعب المصري العظيم أن يقتنع وبلا شك أن ما حدث في “يناير 2011” لن يتكرر مرة أُخري أبداً . وأن حرية الرأي والتعبير مكفولة بزوم وحدود مُعينة. لك أن تعبّر عن رأيك وليس رأي الآخرين.
وكما وضحت في مقالي السابق ” الديمقراطية ودورها في إنهيار الأخلاق والغزو الفكري والسيطرة الناعمة على الشعوب ” لابد وأن يتم وضع قيود علي مصطلح الديمقراطية، فنحن في مصر مجتمع شرقي تحكمه قيم دينية تُقيد الإنسان أمام حق الآخرين، وأمام الحفاظ علي وحدة وأمن وأمان هذا الوطن .

🇪🇬حفظ الله مِصرنا الغالية 🇪🇬

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى