مقالات

مِصرُ..إن قدّٓر الإله مماتها فلن ترى الشرق يرفع الرأس بعدها

كتب: خالد عبدالحميد مصطفي

ليست الأزمات هي التي تزحزح ثقة المواطنين بأوطانهم، فالإنسانية علي مر العصور والأزمنة تتعرض لأزمات ثم إنفراجة ثم لأزمات ثم لإنفراجة بإذن الله وحوله وقوته .
وتعتبر الأزمات المالية هى العقبة التى تواجه الإقتصاد العالمى وتعرقل مسيرته، وقد تختلف أو تتشابه أسبابها أو نتائجها، ولكنها تعبر عن ثغرات فى الإنظمة المالية والإقتصادية سواء كانت محلية أو دولية، نظراً لتداخل الأسواق المالية والتجارة العالمية، وحتى لا نُعلن السخط والغضب علي الأنظمة الحاكمة والمؤسسات يجب رصد وقراءة ومتابعة الأزمات وفترات الكساد التى حدثت عبر التاريخ، لكى نؤمن أن لكل أزمات وقت وإنفراجة، فالحياة بُنيت علي النقيضين، فلا رخاء دائم ولا أزمات دائمة، ولكن تظل الأوطان دائمة شامخة بقدر صبر شعوبها وقدرتهم علي إجتياز المحن والأزمات. وتعتبر الأزمات الماضية التي مر بها العالم مؤشر مُطمْئن لقدرة الشعوب الصابرة المُثابرة علي إجتياز الأزمات، وإذا وضحنا بعض الأزمات في العهد الحديث ولتكن البداية بأكبر وأشهر الأزمات الإقتصادية فى القرن العشرين، أزمة الثلاثاء الأسود أو ما يعرف بالكساد الكبير والذى حدث في29 أكتوبر1929، والذى هز إقتصاد جميع الدول على حد السواء الغنية والفقيرة، وكانت آثاره مدمرة فانهارت أسواق الأسهم وإنخفضت التجارة العالمية مابين النصف والثُلثٓين، وبلغت خسارة المستثمرين فى عمليات السوق نحو 200 مليون جنيه كان مبلغ كبير أنذاك، وأفلس نحو 3500 بنك فى يوم واحد، وتصاعد هذا العدد ليصل إلى 10آلاف بنك حتى منتصف عام 1939، حيث إستمرت آثار هذه الأزمة الاقتصادية فى الثلاثينيات وحتى بداية الأربعينيات، وكانت أكثر القطاعات المتضررة هي الصناعات الثقيلة نظراً لتوقف المصانع عن الإنتاج، وقطاع التعدين، والزراعة حيث هبطت أسعار المحاصيل بنحو 60% من قيمتها، كما إنخفض متوسط دخل الفرد، وإرتفعت نسبة البطالة ، وإجتاح الفقر العديد من المدن فتشردت العائلات وأصبحت تبحث عن الطعام فى مكبات القمامة، وسجلت دائرة الصحة فى نيويورك إصابة أكثر من خُمس عدد الأطفال بسوء تغذية.
وأعقب هذه الأزمات أزمات أقل حدة وتأثيراً مثل الركود الإقتصادى والمالى الذى شهدته روسيا فى عام 1988م وخسر فيها الروبل الروسي60% من قيمته، وأزمة الأسواق المالية فى أمريكا عام 1989والتى سارعت الحكومة إلى التدخل للحد منها بتوفير سيولة مالية لمواجهة حركة السوق وإعادتها إلى نشاطها الطبيعي، وهناك الأزمة الاقتصادية فى آسيا عام 1997حيث هبطت البورصات العالمية هبوطاً حاداً، وسجل مؤشر داو جونز ثامن خسائره، وتلاه فى معدل الخسارة مؤشر هونج كونج ومؤشر لندن، وفى عام 2000حدث ما يسمى بفقاعة الإنترنت أو أسهم التكنولوجيا، ويرجع السبب فيها للمبالغة فى قيمة الأسهم مما أفقد مؤشر «ناسداك» الذى يضم أكبر شركات التقنية على مستوى العالم نحو 39% من قيمته، وأثر بشكل مباشرعلى قطاع التكنولوجيا والإتصالات. وكان لهجمات سبتمبر 2001 آثار إقتصادية واسعة فتراجعت البورصات العالمية نتيجة لإغلاقها خشية الهجوم عليها.

وجاءت الأزمة المالية العالمية الأسوء منذ الكساد الكبير لتهز الإقتصاد العالمى ولتبدأ الأزمة كالعادة بالولايات المتحدة وتمتد لتصل إلى دول العالم فى أوروبا وآسيا ودول الخليج، وتشمل الدول الكبرى والنامية، وهى أزمة سبتمبر 2008 التى هبطت فيها مؤشرات البورصات العالمية هبوطاً شديداً، بسبب القروض العقارية أو بمعنى آخر القروض العالية المخاطر، التى أدت إلى خسائر فادحة ومنها على سبيل المثال لا الحصر خسارة 500 من أغنى أغنياء وول ستريت 114 مليار دولار فى يوم واحد، وحدوث ركود وكساد فى القطاع العقارى وزيادة حادة فى معدلات البطالة، وفقد أكثر من 8 ملايين موظف وظيفته.

الغضب والسخط والثورجة ليست من عوامل الخروج من الأزمات بل تهدم أي مسلك للخروج إلي نهار جديد . والدولة عندما تُوضع في أزمة هذا ليس من إختيارها ولكن قد يكون إستخدام طرق خاطئة للخروج من الأزمة كالــ قروض يمثل ذلك علاج الخطأ بخطأ أكبر والخروج من الأزمة بأزمة أكبر وهذا يُعتبر محاولات خاطئة تدفع الشعوب وحدها ثمن عواقبها .
وإذا ذكرت هنا الأزمة الإقتصادية في مصر فإننا لابد وأن نؤكد أنها جزء من أزمة عالمية قائمة، نتيجة الوباء والحروب القائمة والتي أثرت علي إقتصاد العالم كله دون إستثناء، وليس لدينا إلا الإختيار مابين الصبر والخروج بالوطن من الأزمة أو الزج بالوطن نحو المجهول. وهذا توضيح وليس إختيارين كما ذكرت لأنه ليس هناك بديل إلا الصبر والمثابرة والوقوف للخروج من الأزمة بسلام حتي ينعم الجميع بالسلام، لأن مصر وطن ليس كأي وطن وشعب ليس كأي شعب، مصر قلب العروبة وإذا توقف القلب فلن تكن للعرب حياة . والقول الشهير «مصر أم الدنيا» لم يأتِ من فراغ ولكنه جاء ليُلخص أهمية مصر ومكانتها ووزنها بين الأمم علي مر العصور ويؤكد أيضاً دورها ورسالتها نحو الأشقاء، فمصر بالنسبة للدول العربية كلها من دون استثناء هي الأم والأب والصديق والمُعين الذي لا يتأخر عن تلبية النداء في كل حين. وليس هناك مبالغة في القول بأن الوطن العربي سيتعرض أمنه وإستقراره للخطر في حال تعرضت مصر لسوء، فأمن البلاد العربية من أمن مصر.
فلا ينكر أحد أهمية مصر ودورها ومكانتها بين الأمم ، وعندما تكون مصر هي سند الأمة العربية فالأكيد أنه لا يبقى مكان للخوف والقلق، حيث الخوف والقلق دائماً على مصر، وهو ما تبين بوضوح في السنوات الأخيرة التي سعى البعض فيها إلى تخريب منجزاتها والتشكيك في ريادتها وإقحام دورها، فأن تكون علاقة مصر طيبة بالأشقاء وغيرهم، لا يعني ذلك أنه يمكن التمكن منها ودفعها نحو المجهول، فمصر هي مصر العظيمة والعُظمى التي لا يُدرك دورها ويشيد به ولا يرفع من شأنها إلا العاقل والمخلص لهذه الأمة.

فعندما تشير إلى الحس القومي والإنساني في ترسيخ قيم المواطنة الصالحة والعروبة والتسامح والإعتدال ونبذ خطابات الكراهية والإرهاب فإنك تشير إلى مصر، فبقاء راية الأمة العربية مرفوعة، مرهون بدور مصر الكبير في الحفاظ علي هذه الراية عالية شامخة، فمصر لم تتأمر أبداً ضد أي دولة شقيقة مثلما فعل البعض وتآمر عليها. فمصر لم ولن تسقط أبداً مازال جيشها الوطني هو الواجهة الأمامية في كل شئ، فشعب مصر كله بإستثناء المتآمرين يبارك ويؤكد تفويضه للجيش المصري العظيم في إدارة شئون البلاد، تأهُباً للتعامل مع أي ملف يهدد أمن وإستقرار مصر، فلقد فضل الله مصر على سائر البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض، والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين أو دنيا، أو فيهما جميعاً، وقد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه؛ بالكرم وعِظم المنـزلة، وذكرها بإسمها، وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تُنبئ عن مصر وأحوالها، وما خصها الله به من الخصب والفضل، وما أنزل فيها من البركات، وأخرج منها من الأنبياء والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلداً غيرها، ولا أرضاً سواها .

مصر الدولة الوحيدة التى ذكرت في الأديان السماوية الثلاثة مصرُ بلد الحضارة ومجمع الأديان مصر بلد العلم والمعرفة مصر هي الدولة الوحيدة التى حافظت على إسمها دون أن يتغير على مر العصور، فمصر هي الوطن والوطن قُبلٓه على جبين الأرض، لذلك يجب علينا أن نحميه وندافع عنه بكل مافينا فمصر شاهدت وعاشت الكتير من الحروب والصراعات في العصور القديمة ومرت بالكثير من المعاناه والأزمات ولكنها صمدت وواجهت كل هذا بقوة وعاش أهلها الكثير من الحزن عليها وما واجهته من إحتلالات وغزوات عسكرية وفكرية وبكل أشكال النّٓيل منها من العدو الخارجي، وهذا العدو سهل التعرُّف عليه والتعامل معه أي إن كان قوته وقدراته، ولكن المصيبة الكُبرى ..والمهلكة العظمى هي العدو الداخلي .. المتغلغل بين الناس .. والذي يقوم بالإفساد والتخريب.. ونشر الفتن ومساعدة الأعداء على تحقيق آمالهم بالمساعدة علي إحداث الفوضي والإضطرابات في البلاد، هذا العدو الداخلي اللدود اللئيم العميل الخائن ..عديم الضمير والإنسانية، الذي يربط بين الأزمات وبين السخط والكُره لوطنه .. لهو أشد فتكاً وإيذاءً وضرراً بالوطن، وأقسى نكاية بنا من العدو الخارجي بمئات المرات، هذا العدو الداخلي المختبىء في بيوتنا.. وداخل صفوفنا، وهو منا ومن أنسابنا وأقربائنا، ومن علمائنا وأساتذتنا وقدوتنا هو من إعلامنا وعلي منابرنا، يلوحون بوجود خيانات عظمى، ويشككون في وطنية جيشهم العظيم عيون النسور والصقور الساهرين علي أمن وأمان الوطن . ويستغلون في ذلك مساحة الأزمة وحالة الضيق التي يمر بها المواطنين، والكثير يسمع لهم وهذا يعود إلي جهلنا وغفلتنا وبساطتنا وسذاجتنا ..في عدم التمكُّن من معرفة أنفسنا ومن حولنا حق المعرفة .. وبلاهتنا في عدم إكتشاف أعدائنا من جنسنا،

مِصرُ.. هي القلب وفي القلب ولا حياة من غير قلب. مِصرُ هي قُبلة حياة للحياة
“من شاهد الأرض وأقطارها والناس أنواعاً وأجناسا…
ولا رأى مصر ولا أهلها فما رأى الدنيا ولا الناسا.

🇪🇬حفظ الله مِصرنا الغالية 🇪🇬

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى