مقالات

قريتي في يوم الرحيل

بقلم : د. غادة محمد عبد الرحمن

في الذكرى الـ 53 لرحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لن أتحدث عن الصفات الرائعة لهذا الرجل، التي نادراً ما تتجمع في شخص واحد، من شرف، ونظافة يد، ونبل أخلاق، ووطنية، وشجاعة، فمئات الأقلام حاولت وصف الزعيم، ولم تستطيع إعطاء الرجل حقه، ولن أتحدث كذلك عن إنجازاته العظيمة، لان التاريخ أصدق من يتحدث عنها، أما عن قصة العشاق الفريدة، التي تربط الملايين بهذا الرجل، فلن أتطرق إليها، حيث حاول الكثيرين إيجاد تفسيراََ منطقياََ لها، ولكن دون جدوة.

ولكنني سأتحدث عن مشهد يوم الرحيل في إحدى القرى المصرية، الذي لم يختلف كثيراً عن ما كان عليه الحال في باقي القرى المصرية، والعربية من المحيط الي الخليج، حيث كان الحال ذاته في قريتي الصغيرة، الواقعة في أقصى الصعيد، على بعد ألاف الكيلومترات عن العاصمة.

وذلك من خلال ما حكته لي أمي عن ذلك اليوم المشهود، حيث قالت : قمت في صباح ذلك اليوم وكالعادة بتشغيل جهاز الراديو، ذو المؤشر المضبوط دائماً على إذاعة القاهرة، ولكنني لم استمع إلى برامج إذاعة القاهرة المعتادة، بل استمعت إلى القرآن الكريم، وبشكل متواصل، وهذا ما جعلني أتسأل عن ما حدث، فعرفت الخبر الأسود، خبر موت جمال عبد الناصر، الذي لم استوعبه في بداية الأمر، وذلك إلى أن انقلب حال قريتنا، وتحولت إلى سردق عزاء كبير، وأصبح صوت الصراخ هو سيد الموقف، حيث كان يخرج من كل بيت، وكل شارع.

وتكمل أمي : هذا اليوم بكى فيه الجميع، من نساء، ورجال، وحتى الاطفال، فالكل كان يبكي لفقد العزيز الغالي، وانطلقت الجنائز الرمزية، لتجوب ارجاء القرية ذهاباً وإياباً، بل واتجهت العديد من تلك الجنائز في قريتنا، والقرى المحيطة، إلى قسم الشرطة التابعة له تلك القرى، أو (المركز) كما نطلق عليه في الصعيد، وذلك سيراً علي الأقدام، على الرغم من بعد المسافة، لتزلزل ارجائه أصوات صراخ وعويل المئات من النساء، والرجال، والاطفال، الذين تجمهروا أمامه في جنازة كبرى، حاول العساكر تفريقها، ولكن رفض المأمور تفريق المتجمهرين، وقال مخاطباََ العساكر : اتركوهم فان لم يبكوا اليوم فمتى سيبكون؟

وتستمر امي في حديثها، لقد كان الحزن مخيم على البشر، والشجر، والحجر، وكنا نبكي بحرقة على فقد إنسان يشعر كل منا أنه قريبه، وتربطه به رابطة دم، وليس مجرد رئيس دولة، وهنا استبدت بي حالة غريبة من المشاعر المتداخلة، من ذهول من ذلك المشهد الاسطوري، وإعجاب بقائد فريد، استطاع أن يملك ملايين القلوب دون قيد أو شرط، وحزن لرحيل فارس نبيل، جاء كطيف جميل، واختفى سريعاََ، ووسط هذه الحالة وجدت فضولي يدفعني لمعرفة المزيد عن ذلك اليوم المشهود،
فسألتها عن عدد الأيام التي قضوها على هذه الحالة؟ فقالت امي : لقد أخذنا شهور نبكي على أبو خالد، ومازالت الدموع تنهمر رغم مرور السنين.

هذا وصف أمي ليوم الرحيل، الذي جعلني أسافر عبر الأزمان، لاعيش ذلك اليوم الصعب، في قريتي الهادئة، والبعيدة كل البعد عن العاصمة، واضواءها، وصخبها، التي لم تكن هادئة، وبعيدة في ذلك اليوم، بل كانت تموج حزناً، والماً، لفقد الزعيم الخالد، وهذا لم يكن حال قريتي وحدها، بل كان حال كافة القرى المصرية، والعربية، ولما لا وقد كان، ومازال، حب الملايين للزعيم عابر لكل الحدود، الزمانية، والمكانية، وكما كان الحب كبيراً، كان الحزن كبيراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى