مقالات

“الأفازيا”عندما تصمت الكلمات ويظل العقل مستيقظًا

بقلم الدكتورة عبير عاطف

هل فوجئت يومًا بأن ابنك أو والدك أو شقيقك  او صديقك بدأ يتحدث بكلمات غير مفهومة؟

هل حاول أن يقول شيئًا واضحًا، فخرجت الكلمات مشوشة؟

هل نظر إليك بعينين ممتلئتين بالعجز، لأنه لم يعد قادرًا على التعبير عن أبسط ما يريد؟

هل كان يتحدث معك بالأمس بطلاقة، ثم استيقظ اليوم وكأنه نسي لغته؟

قد تكون هذه اللحظة بداية شيء لم تسمع عنه من قبل… إنها “الأفازيا”.

ما هي الأفازيا؟

الأفازيا هي اضطراب يؤثر على القدرة على استخدام اللغة: التحدث، الفهم، القراءة، والكتابة.

لا علاقة لها باللسان أو الحنجرة أو السمع، بل بمراكز اللغة في الدماغ.

ورغم أن الشخص يبدو واعيًا ومدركًا لما حوله، إلا أن الكلمات تخونه فجأة.

المفاجئ أن الأفازيا لا ترتبط بالعمر، بل يمكن أن تصيب الأطفال أو الكبار على حد سواء،

لأنها ببساطة مرتبطة بحدث يؤثر على الدماغ: سكتة، إصابة، التهاب، أو ورم.

هل نلتفت إليها كما يجب؟

للأسف، لا.

كثيرون لا يعرفون عنها شيئًا، بل يتم تفسيرها أحيانًا على أنها “توتر”، أو “تلعثم نفسي”، أو “خرف”.

وقد يتأخر التدخل الطبي، فيُترك المصاب يعاني في صمت، وتضيع عليه فرص التحسن المبكر 

أسباب الإصابة بالأفازيا

السكتة الدماغية: السبب الأشهر، بسبب جلطة أو نزيف.

إصابات الرأس: خاصة في الحوادث أو السقوط.

أورام الدماغ: قد تؤثر على مناطق اللغة.

التهابات الجهاز العصبي: مثل التهاب الدماغ أو السحايا.

نوبات الصرع الشديدة أو المتكررة.

أمراض تنكسية: مثل الزهايمر أو الأفازيا التقدمية.

 تنبيه مهم للأهل والمعلمين

ضرب الطفل على رأسه، حتى لو كان “خفيفًا”، قد يؤدي إلى ضرر دماغي دائم.

الدماغ في الطفولة هش جدًا، وأي ضربة على الرأس قد تُسبب نزيفًا بسيطًا أو ارتجاجًا يؤثر على مراكز اللغة.

في بعض الحالات، ظهرت الأفازيا عند أطفال بعد إصابات رأس اعتبرها الأهل “عادية”.

 كذلك لا تتهاون مع ارتفاع حرارة الطفل.

في بعض الحالات النادرة، قد تكون الحرارة المرتفعة علامة على التهاب في الدماغ.

إذا استمرت الحرارة مع تغير في الكلام أو الوعي أو نوبات تشنج – فهذا طارئ طبي عاجل.

كيف نكتشف أن شخصًا ما يعاني من الأفازيا؟

يتحدث بكلمات غير مرتبة أو غير مفهومة

يبحث عن الكلمة لكنه لا يجدها

يُكرر كلمات ليس لها معنى

يصمت فجأة وكأنه فقد اللغة

لا يفهم ما يُقال له كما كان من قبل

يخلط بين الكلمات أو يكتب جملًا غريبة

أمثلة حقيقية لفهم الحالة:

رجل في الستين: أُصيب بجلطة وأصبح يقول كلمات غير مترابطة رغم أنه واعٍ.

طفلة في الثامنة: أصيبت بالتهاب دماغي وبعد الشفاء لم تعد تستطيع تكوين جملة مفيدة.

شاب في العشرينات: سقط من الدراجة، ومنذ الحادث تغير نطقه ولم يعد يتواصل بطلاقة.

كيف أتعامل مع شخص مصاب بالأفازيا؟

لا تُظهر الذهول أو الشفقة

استخدم كلمات بسيطة وجملاً قصيرة

لا تُكمل الجمل عنه

انتظر بصبر حتى يُعبّر

ساعده باستخدام الإشارات أو الصور

لا تُصحّح له بقسوة

ادعمه نفسيًا، وابتعد عن الاستهزاء أو الإحراج

متى أطلب المساعدة؟ ومن المختص المسؤول؟

إذا ظهرت الأعراض فجأة أو استمرت بعد حادث أو حرارة شديدة أو مرض دماغي – لا تنتظر.

ابدأ بزيارة طبيب أعصاب، ثم يتم تحويل الحالة إلى أخصائي النطق والتخاطب، وهو من يضع برنامج التأهيل اللغوي حسب نوع الإصابة.

كلمة أخيرة

الأفازيا ليست نهاية الطريق، لكنها منعطف يحتاج وعيًا من الأسرة، وتعاطفًا من المجتمع، وتدخلاً مبكرًا من المختصين.

لا تستهين بصمت مفاجئ، أو لغة متقطعة، أو جمل غير مفهومة من شخص كان يتحدث بطلاقة.

لا تضرب الطفل على رأسه، ولا تتجاهل حرارته المرتفعة، ولا تترك من فقد لغته وحيدًا في العتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى