Uncategorized
لوحة “تمرين السجناء”من منظور تربوى

د. عبير عاطف
حين يصبح الجسد حرًّا والروح أسيرة
نعيش أحيانًا وسط حياة مزدحمة، نتحرك كثيرًا، نؤدي أدوارنا اليومية، نكرر ما اعتدنا عليه…
لكننا ننسى أن هناك فرقًا شاسعًا بين “التحرك” و”التقدم”، وبين “الروتين” و”الحرية”.
تمامًا كما في لوحة صامتة، لكنها تصرخ بكل لغات الألم، وتحمل بين خطوطها معنى الحياة التي تُعاش خلف الجدران النفسية…
في فبراير عام 1890، وبين جدران مستشفى سان ريمي للأمراض النفسية بفرنسا، رسم الفنان الهولندي فنسنت فان غوخ واحدة من أكثر لوحاته تعبيرًا عن السجن النفسي والدوائر المغلقة التي يعلق فيها الإنسان… لوحة بعنوان: “تمرين السجناء” (The Prisoners Exercising).
استوحى فان غوخ هذه اللوحة من نقش سابق للفنان الفرنسي غوستاف دوريه، لكنه لم ينقل المشهد فنيًا فقط، بل صبّ فيه وجعه الشخصي، ومرآته الداخلية، وتجربته المؤلمة مع المرض النفسي والشعور بالحصار.
ماذا نرى في اللوحة؟
تُصوّر اللوحة مجموعة من السجناء يدورون في دائرة مغلقة داخل فناء ضيّق تحيط به جدران عالية تخنق الأفق، بينما يقف حارسان يراقبان بصمت.
وجوه السجناء متشابهة، هامدة، بلا تعبير تقريبًا.
غير أن واحدًا منهم، في مقدمة المشهد، ينظر مباشرة إلى المشاهد بعينين تائهتين… وقد رجّح كثير من النقاد أن فان غوخ رسم نفسه هناك، داخل هذه الدائرة.
سجن بلا قضبان… من منظور نفسي وتربوي وإنساني
رغم حركة الأجساد، إلا أن الحركة بلا معنى… دائرة مغلقة لا نهاية لها.
وهنا تبدأ الرمزية العميقة للوحة، والتي تتجاوز السجن المادي لتصل إلى:
1. السجن النفسي الداخلي
في حياة الأطفال والمراهقين، قد يكون السجن هو:
الشعور بالدونية،
التوبيخ المستمر،
الخوف من الفشل،
غياب التقدير أو الاحتواء.
أما في حياة الكبار، فالسجون تتعدد:
سجن الوظيفة التي لا يحبها لكنه لا يستطيع مغادرتها،
سجن الزواج غير المستقر، ولكن الخروج منه “مكلف اجتماعيًا”،
سجن الأدوار المفروضة، أو الشعور بالذنب المزمن، أو التعلق، أو الخوف من التغيير.
كلنا ندور، بشكل ما، في دوائر متكررة تشبه تمرين السجناء… دون أن ننتبه أننا نُكرر الخطى ولا نقطع المسافة.
2. الدوران… حين يتحول النشاط إلى عبء
في التربية: نعيد التوجيه، والعقاب، والتهديد، بلا جدوى.
في العمل: نذهب كل يوم، ونعود منهكِين، بلا نموٍّ ولا تغيير.
في العلاقات: نستمر بدافع العادة، الخوف، أو الصورة الاجتماعية.
نحن “نتحرك” في الحياة، لكن الكثير منا يدور فقط… في نفس الفناء، نفس المشكلة، نفس التعب.
“نحن سجناء أنماطنا… لا جدران من حولنا، بل من داخلنا.”
3. نظرة السجين – دعوة لكسر الصمت
تلك النظرة الوحيدة في اللوحة، الخارجة عن السياق، التي تُحدّق فينا مباشرة… تُعبّر عن شخص يرى نفسه مختلفًا، أو راغبًا في التحرر، أو يائسًا من التكرار.
في الأطفال: هذه النظرة قد تراها في عيونهم عند الإهمال أو الضغط أو التنمّر.
في الكبار: تظهر في جلسات صامتة، في الوحدة، في الصراخ الداخلي خلف ابتسامة اجتماعية.
كلنا نعرف شعور “السجين الذي يرى لكنه لا يُرى”.
رسائل تربوية وإنسانية من داخل اللوحة
1. الحياة قد تصبح دائرة سجن دون أن نلاحظ… خاصة حين نعيش دون وعي، أو نُكرّر ما اعتدنا عليه بلا تساؤل.
2. التربية بلا فهم تصنع سجونًا نفسية، والعمل بلا شغف يصنع سجونًا يومية، والعلاقات بلا صدق تصنع سجونًا عاطفية.
3. لا أحد محصّن من أن يكون داخل دائرة… لكن الوعي بها هو أول خطوة للخروج منها.
4. تلك “النظرة” في اللوحة، سواء من ابنك، أو زوجتك، أو زميلك، أو نفسك في المرآة… تستحق أن تُنصت إليها.
تمرين تأملي: “سجني الذي لا أراه”
لكل فئة عمرية – فرديًا أو جماعيًا – اسأل نفسك:
ما الدائرة التي أكررها يوميًا؟
ما السجن الذي أدور فيه وأنا أظن أنني أعيش بحرية؟
من يراقبني من بعيد ولا يُبالي؟ (كالحارسين في اللوحة)
من أكون في هذه الصورة؟ السجين اللامبالي؟ المتأمل؟ المتألم؟ الساكت؟
ختاما.لوحة فان غوخ “تمرين السجناء” ليست فقط عملًا فنيًا… بل مرآة لحياتنا جميعًا. ..قد نمارس “الروتين” ظنًا منا أنه انضباط… بينما هو استسلام.
وقد نظن أننا نتحرك للأمام… بينما ندور في حلقة مغلقة.
لكن أجمل ما في اللوحة… هو وجود شخص واحد فقط ينظر للخارج.
وهذا يعني أن دائمًا، في كل دائرة، يوجد شخص بدأ يرى السجن… ويريد أن يتحرر.
فهل تكون أنت هذا الشخص؟
بقلم
د.عبير عاطف



