منوعات

رحلة في الزمن.. إلى مكتب الوزير الراحل الذي لم يُطفئ المصباح

كتب: أحمد لطفي 

 

أجملُ ما في الحياة أن نتعلّم من الماضي، لا أن نُقيم فيه… أن نستحضر رموزه لا لنرثيهم، بل لنُحيي ما مات فينا من عزائم، ونعيد توجيه البوصلة كلما ضللنا الطريق. فالتاريخ ليس حكايةً تُروى، بل مرآة تُصلح حاضرنا حين تتكسر صورته.

وأثناء تصفحي كعادتي في أروقة مواقع التواصل الاجتماعي، شدّني منشورٌ مختلف… صورةٌ معدّلة بعناية، يظهر فيها أحد زملائنا من العاملين بقطاع الكهرباء، وقد وضع نفسه إلى جوار الوزير الراحل ماهر بيه أباظة. صاحب الصورة لم يكن قد وُلد حين تولّى الوزير مهامه، أو كان طفلًا لا يفرّق بين مصباحٍ ومأخذ كهرباء… ومع ذلك، أحبّه. وحين نظرتُ إلى وجهه، لم أرَ مجرد صورة مركّبة… بل رأيتُ ولاءً لا يصطنع، وذاكرةً شعبية لا تموت. كأنّ هذا الوزير، بما خلّفه من آثار طيّبة، قد مدّ ظلّه إلى أجيال لم تراه، لكنها شعرت به.

وهنا… بدأت الفكرة تلحّ عليّ: ماذا لو امتلكتُ بوابةً زمنية؟ ماذا لو قُدّر لي أن ألتقي هذا الرجل – الملقب بأبو الكهرباء – لا من باب الحنين، بل من باب الحوار؟ أن أجلس إليه لا ممثلًا عن زمنه، بل عن جيلٍ تأخر عن الركب، ويبحث الآن عن أمل وسط الظلام. أن أزوره في مكتبه، حيث القرارات تُكتب بالحبر لا بالهاشتاجات، وحيث كانت الألقاب تُكتسب بالفعل لا بالوراثة.

رحم الله المهندس ماهر أباظة، ابن العائلة العريقة، وصاحب البصمة التي لا تزال تضيء… حتى بعد انقطاع التيار.

وصاحب مقوله العامل أولا 

كأنني دخلت من شقٍّ في الزمن… لا من باب الوزارة. لم يكن المكان كما هو عليه الآن. لا الحواجز المعدنية، ولا البصّامين، ولا بوابات التفتيش الذكية التي تبتلع الكرامة قبل الهوية. بل كانت هناك هيبةٌ من نوعٍ آخر. في تلك اللحظة التي عبرتُ فيها عتبة المكان، شعرتُ أنني ذاهبٌ إلى لقاء دولة لا مصلحة حكومية. ذهبتُ لا بملف ولا بأملٍ وظيفي، بل بحقيبةٍ من الرسائل النبيلة، والهموم التي تراكمت منذ عام 2012، يوم توقفت الأحلام عند باب تثبيت المؤهل.

 

دخلتُ عليه. هو كما وصفوه لنا، الوزير ماهر أباظة، الرجل الذي تولّى وزارة الكهرباء والطاقة منذ عام 1980 وحتى عام 1999، في زمنٍ كانت فيه الكهرباء خدمة وطنية، لا مجرد فاتورة على ورق أصفر.

ابتسم لي، وسألني وكأننا نعرف بعضنا من قبل:

– من أنت؟  

قلت له:  

– موظف يا سيدي… من أولئك الذين ما عادوا يحلمون بالترقي، بل بمجرد الاعتراف. أحمل إليك رسائل من زملائي، ليست بذي توقيع، لكنها موقَّعة بالحزن.

استمع إليّ صامتًا. فبسطتُ أمامه ما يلي:

تسوية المؤهلات دون المساس بالدرجة أو المرتّب… فقط نطلب تسميةً تُطابق ما في العقول.  

إعادة العلاوات التشجيعية التي جُمِّدت دون ذنب… وجمّدت معها أرواح العاملين.  

إنصاف العاملين بنظام المكافأة الشاملة، كيف لذات العمل أن يُجزى بجزاءين؟ أليس في ذلك خرقٌ للعدالة؟  

مراجعة توزيع الأرباح، فما الجدوى من إنتاجٍ لا يعود بالنفع على من يصنعه؟ نطلب أن نصل — يومًا ما — إلى 24 شهرًا كما وصلت غيرنا، لا حسدًا… بل عدلًا.  

تثبيت العمالة المؤقتة، فلا كرامة لمَن يُؤجَّر بعقدٍ موسمي في عملٍ يومي.  

استحداث درجة كبير لمن كَبُر بعطائه لا بعمره فقط، وأصبح مرجعًا لا يُذكر في هيكلٍ تنظيمي مَيت.  

توحيد منظومة الأجور، لأنّ التفاوت يقتل الحافزية، ويشعل نيران المقارنات.

ابتسم الوزير، ونظر في وجهي طويلًا، ثم قال:  

لا يُقاس التقدُّم بطول الأسلاك، بل بعدالة التوزيع… إنّ الكهرباء التي أنارت البيوت، لا بد أن تُنير العقول أولًا.  

كأنّه علّق مرآة في وجهي، ورحل…

كعادتى استيقظتُ على صوت أذان الفجر…  

لم تكن زيارةً حقيقية، بل رؤية، لكن فيها من الصدق ما يجعلها تُماثل الواقع.  

رأيته كما لم أره من قبل… قويًّا، واضحًا، بلا رتوشٍ إعلامية.  

وسمعتُ صوتي كما لم أسمعه منذ سنوات… مليئًا برسالةٍ تحمل معها الأمل.

هذه الكلمات ليست خيالًا، بل رسالة تنبض بالأمل، تحملها قلوب العاملين في قطاع الكهرباء، إلى مَن بقي من رجال المدرسة الأباظية.  

فإن لم يرجع ماهر أباظة، فلترجع منهجيته، وتُبعث في جسد الإدارة المعاصرة.  

ولأن الحلم لا يشيخ، فسنظل نكتبه، إلى أن يصير حقيقةً تُوقَّع، لا أمنيةً تُنسى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى