نصر سلامة تشهد الساحة الثقافية في مصر حراكًا متسارعًا يعكس ملامح مرحلة جديدة، تقودها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة عبر رؤية طموحة تستند إلى التطوير المؤسسي، والتحول الرقمي، وتعزيز دور الثقافة في بناء الإنسان وترسيخ الهوية الوطنية. ولم تعد الثقافة مجرد نشاط إبداعي أو ترف فكري، بل أصبحت ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي، وأداة فاعلة لتشكيل الوعي المجتمعي. في هذا السياق، تعكس الزيارات الميدانية المتتالية لوزيرة الثقافةوفي مقدمتها تفقدها لدار الكتب والوثائق القومية اهتمامًا واضحًا بحماية الذاكرة الوطنية، خاصة من خلال دعم مشروعات الرقمنة. فمعامل المسح الرقمي لم تعد مجرد وحدات تقنية، بل تمثل خط الدفاع الأول عن التراث الوثائقي المصري، بما تتيحه من حفظ دقيق وإتاحة مستدامة للأجيال القادمة. هذه الخطوة تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية التكنولوجيا في صون التاريخ، وربط الماضي بالحاضر والمستقبل. وبالتوازي مع ذلك، يأتي الاهتمام برفع كفاءة المؤسسات الثقافية، كما ظهر في الزيارات المفاجئة للهيئات التابعة للوزارة، ومنها الهيئة المصرية العامة للكتاب، في إطار تعزيز الانضباط الإداري والمالي. هذا التوجه يعكس تحولًا نحو الحوكمة الرشيدة، بما يضمن بيئة عمل أكثر كفاءة، ويعيد الثقة بين العاملين والمؤسسات، ويعزز من جودة المنتج الثقافي. ولا يقتصر المشهد على البنية المؤسسية فقط، بل يمتد إلى الانفتاح على رموز الفكر والإبداع، حيث تحرص الوزيرة على الحوار مع المثقفين والفنانين، والاستفادة من خبراتهم في صياغة سياسات ثقافية أكثر تفاعلًا مع المجتمع، خاصة فئة الشباب. هذا التوجه يؤكد أن مستقبل الثقافة لن يُبنى من داخل المؤسسات فقط، بل من خلال شراكة حقيقية مع المبدعين. وعلى مستوى التخطيط الاستراتيجي، تتكامل هذه الجهود مع رؤية الدولة، التي عرضتها الوزيرة خلال لقائها مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، حيث تم التأكيد على محورين رئيسيين: حماية الأمن القومي الثقافي، وبناء الإنسان. ويتحقق ذلك عبر دعم الصناعات الثقافية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات الثقافية، وتحقيق العدالة الثقافية بين المحافظات، خاصة من خلال المبادرات المرتبطة بمشروع “حياة كريمة”. كما يشكل التحول الرقمي أحد أبرز ملامح المستقبل الثقافي في مصر، من خلال إطلاق تطبيقات رقمية ومكتبات إلكترونية، تسهم في إتاحة المعرفة بشكل أوسع وأكثر مرونة، وتواكب تطلعات الأجيال الجديدة. ولم يعد الوصول إلى الكتاب أو المحتوى الثقافي مقيدًا بالمكان، بل أصبح متاحًا بضغطة زر، في خطوة تعزز من نشر الوعي وتوسيع دائرة التأثير الثقافي. إن ما يحدث اليوم في وزارة الثقافة يعكس انتقالًا حقيقيًا من مرحلة الإدارة التقليدية إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي القائم على التكنولوجيا والشراكة والانفتاح. وهو ما يؤسس لمستقبل ثقافي أكثر ديناميكية، قادر على مواجهة التحديات، وصون الهوية، وتعزيز مكانة مصر كقوة ثقافية رائدة في محيطها العربي والإقليمي. وفي ضوء هذه الجهود، يمكن القول إن الثقافة في مصر تسير نحو أفق جديد، عنوانه التحديث، وأداته المعرفة، وهدفه الإنسان.