يشهد النظام الدولي الحالي تحولات جذرية تعيد رسم خارطة التوازنات الأمنية والعسكرية، ولعل أبرز تجليات هذا التحول هو ما طرحه اللواء دكتور سمير فرج في مقاله حول فكرة “الردع النووي الأوروبي”. هذا الطرح لا يمثل مجرد خيار دفاعي جديد، بل هو إعلان عن نهاية حقبة التبعية المطلقة للمظلة الأمريكية، وبداية مرحلة تتسم بالواقعية السياسية القاسية.
بدأت شرارة التحول مع تغير نبرة الخطاب السياسي في البيت الأبيض، حيث وضع الرئيس ترامب دول حلف شمال الأطلنطي (الناتو) أمام اختبار صعب؛ فإما رفع الإنفاق العسكري ليصل إلى 5% من الناتج المحلي، أو مواجهة احتمالية رفع الحماية الأمريكية. هذا الموقف أحدث هزة استراتيجية في العواصم الأوروبية، وجعل السؤال عن أمن القارة لا يعتمد على الالتزام الأمريكي، بل على المصالح الوطنية الأوروبية الصرفة. وكانت الاستجابة لهذا الضغط سريعة، حيث برزت دعوات يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس لبناء جيش أوروبي موحد، وتعزيز الاستقلال الدفاعي، وصولاً إلى التفكير الجدي في الردع النووي الأوروبي.
وتكتسب قضية الردع أبعاداً معقدة عند النظر إلى الأرقام الحالية؛ فأوروبا داخل حلف الناتو لا تمتلك إلا قوتين نوويتين، هما فرنسا التي تمتلك حوالي 290 رأساً نووياً، وإنجلترا التي تمتلك حوالي 225 رأساً نووياً. وبإجمالي 515 رأساً، تبدو هذه الترسانة متواضعة أمام العملاقين الروسي والصيني. ومن هنا، تبرز ضرورة تطوير مظلة نووية أوروبية جديدة لا تعتمد على واشنطن، بل تكون قادرة على مواجهة التهديدات بشكل مستقل، وهو ما قد يدفع دولاً مثل ألمانيا للتفكير في دخول النادي النووي، وهو تحول تاريخي له تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية هائلة على المواطن الألماني وميزانية الدولة.
ولا يقتصر الطرح الأوروبي على مجرد امتلاك السلاح، بل يمتد إلى تطوير عقيدة عسكرية تقوم على الردع المرن. ويشمل ذلك دراسة نشر أسلحة نووية تكتيكية، والاعتماد على صواريخ تطلق من طائرات أو منصات أرضية لزيادة سرعة الاستجابة، بالإضافة إلى تعزيز القدرات التقليدية بجانب النووية، بما يشمل الدفاع الجوي، وأنظمة الإنذار المبكر، والصواريخ الدقيقة. هذا التوجه يهدف إلى خلق درع يمنع أي قوة معادية من التفكير في اختراق السيادة الأوروبية، خاصة في ظل نظام دولي يفرض على القارة حماية نفسها أمام القوى الكبرى المعادية مثل الصين وروسيا.
إن التحول نحو الاستقلال النووي ليس مجرد قرار عسكري، بل هو عبء اقتصادي سيمس البنية الأساسية وخطط التنمية؛ فزيادة الإنفاق الدفاعي تعني بالضرورة استقطاع موارد من قطاعات أخرى، مما يضع الحكومات الأوروبية أمام تحدي الموازنة بين الأمن القومي والرفاهية الاجتماعية. وفي الختام، تجد القارة الأوروبية نفسها اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة؛ ففكرة الردع النووي المستقل لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة يفرضها الواقع الدولي الجديد فيما بعد مرحلة الحرب الباردة. إن نجاح أوروبا في تشكيل هذه المظلة سيعني إعادة تشكيل مفهوم الأمن والقوة في القرن الحادي والعشرين، وتحويل القارة من ساحة للصراعات الدولية إلى قطب فاعل ومستقل يمتلك مفاتيح ردعه الخاصة.