المقال الثانى و الثلاثون من سلسلة ممالك اسلامية لها تاريخ مجيد ..عظماء كتبوا التاريخ في الظل .

بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
لم تكن صقلية مجرد جزيرةٍ في البحر المتوسط، بل كانت بوابةً حضاريةً عظيمة، ومركزًا علميًّا، وتجاريًّا ،وعسكريًّا غيَّر وجه أوروبا لقرونٍ طويلة.
لقد استطاع المسلمون أن يحوِّلوا تلك الجزيرة الواقعة في قلب البحر المتوسط إلى درةٍ حضاريةٍ جمعت بين القوة العسكرية، والازدهار الاقتصادي، والرقي العلمي، والتسامح الحضاري، حتى أصبحت صقلية الإسلامية من أعظم الممالك التي أسهمت في نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا الغربية.
ولم يكن تأثير المسلمين في صقلية تأثيرًا عابرًا؛ بل تركوا آثارًا خالدةً في العلوم، والزراعة، والعمارة، والإدارة، واللغة، والتجارة، حتى إن كثيرًا من المؤرخين الأوروبيين يعدون صقلية الإسلامية أحد الجسور الكبرى التي عبرت من خلالها الحضارة الإسلامية إلى أوروبا في العصور الوسطى.
أولًا: أين تقع صقلية؟:
تقع جزيرة صقلية جنوب إيطاليا، وهي أكبر جزر البحر المتوسط، وتتميَّز بموقع استراتيجي بالغ الأهمية بين أوروبا، وشمال إفريقيا.
وقد جعلها هذا الموقع مركزًا للتجارة البحرية، ومحطةً عسكريةً مهمة للسيطرة على طرق الملاحة في البحر المتوسط.
ويذكر الدكتور حسين مؤنس في كتابه:”تاريخ المسلمين في البحر المتوسط ” أن صقلية كانت «حلقة الوصل بين العالم الإسلامي، وأوروبا الجنوبية، ومن يملكها يملك جزءًا كبيرًا من تجارة البحر المتوسط».
(حسين مؤنس: 1987م، ج1، ص214).
ثانيًا: كيف نشأت مملكة صقلية الإسلامية؟:
بدأ اهتمام المسلمين بصقلية منذ العصر الأموي، لكن الفتح الحقيقي المنظم بدأ في العصر الأغلبي.
ففي سنة 212هـ / 827م قاد الفقيه المجاهد القاضي أسد بن الفرات حملةً إسلامية كبرى انطلقت من القيروان نحو صقلية بأمر من زيادة الله الأغلبي. .
وقد كان أسد بن الفرات عالمًا، وفقيهًا، وقائدًا عسكريًّا في الوقت نفسه، وهو نموذج فريد للعالم المجاهد.
ويذكر ابن الأثير في كتابه الشهير :”الكامل في التاريخ ” أن المسلمين دخلوا صقلية بعد معارك طويلة مع البيزنطيين، واستمرت الفتوحات حتى أصبحت الجزيرة كلها تقريبًا تحت الحكم الإسلامي.
(ابن الأثير: 1965م، ج6، ص401).
أما مدينة بلرم (باليرمو) فقد أصبحت عاصمة صقلية الإسلامية، وتحولت إلى واحدة من أعظم مدن البحر المتوسط.
ويذكر المؤرخ الإيطالي ميكيلي أماري في كتابه :”تاريخ مسلمي صقلية ” أن بلرم الإسلامية كانت من أكبر مدن أوروبا سكانًا وأكثرها ازدهارًا.
(ميكيلي أماري، ترجمة أحمد السعيد سليمان : 2004م، ج2، ص77).
ثالثًا: مراحل الحكم الإسلامي في صقلية:
1)مرحلة الأغالبة:
وهي مرحلة الفتح والتأسيس، وامتدت منذ دخول أسد بن الفرات حتى ضعف الدولة الأغلبية.
وفي هذه المرحلة ثبَّت المسلمون وجودهم العسكري، وبنوا الحصون والأساطيل، وبدأت عملية نشر الإسلام والعمران.
2) مرحلة الفاطميين:
انتقلت صقلية بعد ذلك إلى النفوذ الفاطمي، وأصبحت الجزيرة قاعدةً بحريةً مهمة للدولة الفاطمية في البحر المتوسط.
وقد شهدت هذه المرحلة ازدهارًا اقتصاديًّا وعلميًّا كبيرًا.
3) مرحلة الكلبيين:
وهي العصر الذهبي لصقلية الإسلامية.
أسس بنو كلب حكمًا شبه مستقل، وتمتعوا بقدرة كبيرة على الإدارة والتنظيم.
ويذكر حسن إبراهيم حسن في كتابه :”
تاريخ الاسلام السياسي والديني ..” أن عصر الكلبيين كان من أزهى عصور صقلية الإسلامية في القوة البحرية والرخاء الاقتصادي”
( حسن إبراهيم حسن: 1964م، ج4، ص163).
رابعًا: أبرز قادة صقلية الإسلامية:
1) أسد بن الفرات:
القائد الفقيه الذي قاد الفتح الإسلامي الكبير لصقلية.
وكان من كبار علماء المالكية، وتتلمذ على الإمام مالك وتلاميذه.
وقد توفي أثناء الفتح سنة 213هـ.
2-)جعفر بن محمد الكلبي:
من أعظم حكام صقلية الإسلامية.
شهد عصره استقرارًا سياسيًّا وازدهارًا اقتصاديًّا واسعًا.
3) يوسف الكلبي:
طوَّر الأسطول الإسلامي، وقاد حملات بحرية قوية ضد البيزنطيين.
خامسًا: أهم مقومات قوة مملكة صقلية الإسلامية:
1) الموقع الجغرافي:
كانت صقلية تتحكم في طرق التجارة البحرية بين الشرق والغرب.
2)القوة البحرية:
امتلك المسلمون أسطولًا بحريًّا قويًّا جعلهم يسيطرون على أجزاء واسعة من المتوسط.
ويذكر راغب السرجاني :أن صقلية أصبحت قاعدة بحرية إسلامية كبرى أرعبت القوى الأوروبية لقرون.
3) التقدم الزراعي:
أدخل المسلمون أنظمة ري متطورة، وزراعة الحمضيات، وقصب السكر، والقطن، والأرز.
ويؤكد ميكيلي أماري في كتابه الشهير :تاريخ مسلمي صقلية ” أن المسلمين أحدثوا ثورة زراعية حقيقية في الجزيرة.
( ميكيلي أماري: ج2، ص201).
4) التسامح الحضاري:
عاش المسلمون، والمسيحيون، واليهود في صقلية ضمن حالة من التعايش الحضاري النسبي مقارنة بما كان سائدًا في أوروبا آنذاك.
5)النهضة العلمية:
انتشرت المدارس، والمكتبات، والعلوم العربية.
وقد أصبحت اللغة العربية لغة الإدارة، والعلم ،والتجارة في الجزيرة لقرون.
سادسًا: أعظم إنجازات صقلية الإسلامية: في خدمة الإسلام والحضارة
1)نشر الحضارة الإسلامية في أوروبا:
كانت صقلية جسرًا حضاريًّا مهمًّا نقل العلوم العربية إلى أوروبا.
ومن خلالها انتقلت علوم الطب، والفلك، والهندسة، والرياضيات.
2) بناء نهضة عمرانية عظيمة:
شيَّد المسلمون المساجد، والقصور، والقلاع، والحدائق.
ولا تزال آثار العمارة الإسلامية واضحة في كثير من مدن صقلية حتى اليوم.
3)تقوية التجارة الإسلامية:
أصبحت صقلية مركزًا تجاريًّا عالميًّا يربط بين إفريقيا، وأوروبا.
4- التفوق البحري:
ساهم الأسطول الإسلامي في حماية طرق التجارة الإسلامية، ومواجهة الهجمات البيزنطية.
سابعًا: آثار وثمار الحضارة الإسلامية في صقلية:
لقد ترك المسلمون بصمةً عميقة في الجزيرة، ومن أبرز آثارهم:
انتشار المفردات العربية في اللغة الصقلية، والإيطالية.
بقاء أنظمة الري، والزراعة الإسلامية:
التأثير الإسلامي الواضح في العمارة.
انتقال العلوم العربية إلى أوروبا.
تطوير التجارة البحرية الأوروبية.
ويؤكد غوستاف لوبون في كتابه الشهير “حضارة العرب “. أن الحضارة الإسلامية في صقلية أسهمت في إيقاظ أوروبا من ظلمات القرون الوسطى.
( غوستاف لوبون: 2000م، ص512).
ثامنًا: كيف سقطت مملكة صقلية الإسلامية؟:
بدأ الضعف يتسلل إلى صقلية بسبب: الصراعات الداخلية والانقسامات السياسية.
وقد تنازع الأمراء المسلمون السلطة، وتفرقت الكلمة، وضعفت الجبهة الداخلية.
وفي تلك الأثناء بدأ النورمان بقيادة روجر الأول هجماتهم على الجزيرة.
واستمرت الحرب سنوات طويلة حتى سقطت بلرم سنة 463هـ / 1071م، ثم اكتمل سقوط الجزيرة نهائيًّا سنة 484هـ / 1091م.
تاسعًا: أهم أسباب سقوط صقلية الإسلامية:
1) الانقسامات الداخلية:
تنافس الأمراء وتمزقت وحدة المسلمين.
2) الاستعانة بالأعداء:
بعض الحكام استعانوا بالنورمان ضد خصومهم، فكان ذلك بداية الكارثة.
ويؤكد ذلك عدد من المؤرخين عند حديثهم عن ابن الثمنة وتحالفه مع النورمان.
3)ضعف العالم الإسلامي المحيط:
كانت الأندلس تعيش عصر الطوائف، وشمال إفريقيا يعاني الاضطرابات.
4)التفوق العسكري للنورمان:
استغل النورمان ضعف المسلمين ووحدتهم المتفككة.
عاشرًا: الدروس الحضارية من تجربة صقلية الإسلامية:
إن سقوط صقلية لم يكن بسبب ضعف الحضارة الإسلامية، بل بسبب ضعف المسلمين أنفسهم حين دبَّ الخلاف بينهم.
لقد أثبتت صقلية أن الأمة حين تمتلك العلم والوحدة والقوة تستطيع أن تبني حضارةً تبهر العالم، وأن تسقط الحواجز بين الشرق والغرب.
كما أثبت سقوطها أن التمزق الداخلي أخطر على الأمة من قوة أعدائها.
الخاتمة:
كانت صقلية الإسلامية صفحةً مضيئةً من صفحات المجد الإسلامي في أوروبا، وحضارةً صنعت التوازن في البحر المتوسط لقرون طويلة.
لقد ترك المسلمون في صقلية آثارًا علميةً وعمرانيةً وحضاريةً ما زالت أوروبا تعترف بفضلها حتى اليوم.
وإذا كانت الجيوش قد غادرت الجزيرة، فإن الحضارة الإسلامية بقيت محفورةً في لغتها، وعمارتها، وزراعتها، وعلومها، وذاكرتها التاريخية.
وما أحوج الأمة اليوم إلى قراءة تاريخ صقلية لا بوصفه قصة ماضٍ مضى، بل باعتباره درسًا حضاريًّا عظيمًا في معنى الوحدة، والعلم، والقوة، وصناعة المجد.
أهم المراجع العربية:
١)ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965م.
٢)حسين مؤنس، تاريخ المسلمين في البحر المتوسط، دار الرشاد، القاهرة، 1987م.
٣)حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1964م.
٤)ميكيلي أماري، تاريخ مسلمي صقلية، ترجمة أحمد السعيد سليمان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004م.
٥)غوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار الهلال، القاهرة، 2000م.
٦)محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997م.
٧)راغب السرجاني، قصة الإسلام، قسم صقلية الإسلامية.



