دين

المقال الثالث و الثلاثون من سلسلة ممالكٌ إسلاميةٌ لها تاريخٌ مجيد ..تاريخنا المنسي

بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

حين تحوَّلت حاضرةُ العلمِ والجهاد إلى جرحٍ نازفٍ في قلبِ الأندلس،
كانت طُلَيْطِلَةُ درَّةَ الثغرِ الأوسط في الأندلس، وإحدى أعظم الحواضر الإسلامية التي جمعت بين القوة العسكرية، والنهضة العلمية، والرقي الحضاري. ولم يكن سقوطها مجرد سقوط مدينة، بل كان بداية الانهيار الكبير للوجود الإسلامي في الأندلس، حتى عدَّ المؤرخون سقوطها سنة 478هـ/1085م أخطرَ منعطفٍ في تاريخ الإسلام بالأندلس. وقد بقي المسلمون بعد سقوطها قرونًا يعانون الاضطهاد، ومحاكم التفتيش، ومحاولات طمس الهوية، حتى تحولت طليطلة من عاصمةٍ للعلم الإسلامي إلى شاهدٍ على مأساة الموريسكيين.
وقد قال المؤرخ محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الاسلام في الأندلس “:
“كان سقوط طليطلة بداية الانهيار الحقيقي للدولة الإسلامية في الأندلس”.
(محمد عبد الله عنان :1997م,ج4، ط2، ص 45).
أولًا: أين تقع طليطلة؟ وما مكانتها؟:
تقع مدينة طليطلة وسط إسبانيا الحالية، على نهر التاجه، وكانت تُعرف عند المسلمين باسم “طليطلة”، وعند الإسبان باسم Toledo. وكانت قبل الفتح الإسلامي عاصمةً للقوط الغربيين، ثم أصبحت من أعظم مدن الأندلس الإسلامية.
وقد فتحها المسلمون سنة 92هـ/711م بقيادة طارق بن زياد بعد معركة وادي لكة الشهيرة.
يقول الدكتور حسين مؤنس في كتابه فجر الاسلام:
“كانت طليطلة من أهم مدن الأندلس سياسيًّا وعسكريًّا، وكانت مفتاح الثغر الأوسط”.
(حسين مؤنس: 1985م، ص 312).
ثانيًا: نشأة مملكة طليطلة الإسلامية:
بعد انهيار الخلافة الأموية في الأندلس سنة 422هـ، ظهرت دويلات الطوائف، وكانت طليطلة من أقواها، وقامت فيها دولة بني ذي النون.
ومن أشهر حكامها:
1) إسماعيل بن ذي النون:
وهو المؤسس الحقيقي للمملكة، واستقل بطليطلة سنة 427هـ.
2)يحيى المأمون:
ويُعدُّ من أعظم ملوكها، وقد بلغت الدولة في عصره أوج قوتها واتساعها.
قال عنه المقري في فتح الطيب:
“كان المأمون من أعقل ملوك الطوائف وأدهَاهم سياسة”.
(المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس:1968م، ج3، ص 144).
3)القادر بالله بن ذي النون:
وكان آخر حكامها، وفي عهده سقطت المدينة في يد ألفونسو السادس.
ثالثًا: أهم مقومات مملكة طليطلة:
1)الموقع العسكري الخطير:
كانت طليطلة حصنًا متقدمًا في مواجهة الممالك النصرانية شمال الأندلس، ولذلك سُمِّيت “الثغر الأوسط”.
وقد أشار المؤرخون إلى أن السيطرة عليها تعني فتح الطريق إلى قلب الأندلس.
2) القوة العلمية ،والحضارية:
كانت طليطلة مركزًا ضخمًا للعلم والترجمة والفلسفة والطب والفلك.
ومن أشهر علمائها:
أبو القاسم الزهراوي
ابن حزم الأندلسي
الزرقالي
وقد اشتهرت “مدرسة طليطلة للترجمة” التي نقلت العلوم العربية إلى أوروبا، فكانت سببًا رئيسًا في النهضة الأوروبية الحديثة.
يقول المستشرق الإسباني خوان فيرنت في كتابه فضل العرب علي أوربا :
“لقد دخلت علوم المسلمين إلى أوروبا عبر طليطلة”.
(خوان فيرنت، فضل العرب على أوروبا، ترجمة حسين مؤنس:1960م، ص 88).
3) النهضة الاقتصادية:
ازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة في طليطلة، خاصة:
صناعة السيوف.
الصناعات المعدنية.
الورق والنسيج.
التجارة مع مدن الأندلس والمغرب.
وكانت سيوف طليطلة تُعدُّ من أجود السيوف في العالم آنذاك.
رابعًا: أهم أعمال طليطلة في خدمة الإسلام:
1)حماية الثغر الإسلامي:
ظلت طليطلة قرونًا خط الدفاع الأول عن الأندلس ضد الهجمات النصرانية.
2) نشر العلوم الإسلامية:
أصبحت مركزًا علميًّا يقصده الطلاب والعلماء من أنحاء العالم الإسلامي.
3) نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا:
ومن أعظم آثارها الحضارية حركة الترجمة التي نقلت:
الطب الإسلامي.
الرياضيات.
الفلسفة.
علوم الفلك.
إلى أوروبا اللاتينية.
وقد اعترف كثير من المؤرخين الغربيين أن أوروبا استفادت من علوم المسلمين عبر طليطلة.
خامسًا: كيف سقطت طليطلة؟:
بدأ سقوطها الحقيقي مع ضعف ملوك الطوائف وتفرقهم، وتحولهم إلى التنازع والاستعانة بالنصارى بعضهم على بعض.
وفي سنة 478هـ/1085م حاصر الملك ألفونسو السادس المدينة عدة أشهر حتى استسلمت.
وقد وصف المؤرخون هذا الحدث بأنه بداية السقوط الكبير للأندلس.
سادسًا: أسباب سقوط طليطلة:
1) التفرق والانقسام:
قال تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، [الأنفال: 46].
وقد تحولت دويلات الطوائف إلى كيانات متصارعة.
2) الاستعانة بالأعداء؛
استعان بعض ملوك الطوائف بالنصارى ضد إخوانهم المسلمين.
قال ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ:
“استعان كلُّ واحدٍ منهم بالإفرنج على صاحبه”.
(ابن الأثير:1987م، ج8، ص 612).
3)الترف والانغماس في الشهوات:
ضعفت الروح الجهادية، وانتشرت حياة اللهو والترف.
4) الضعف العسكري؛
بينما كانت الممالك النصرانية تتوحد وتزداد قوة.
سابعًا: أوضاع المسلمين بعد سقوط طليطلة:
بعد سقوط المدينة بدأ التضييق على المسلمين تدريجيًّا، ثم ظهرت لاحقًا محاكم التفتيش التي مارست:
التنصير القسري.
حرق الكتب الإسلامية.
تعذيب المسلمين.
تهجير الموريسكيين.
وقد بقيت طليطلة رمزًا لمعاناة المسلمين بعد السقوط.
وتشير الروايات التاريخية إلى إحراق آلاف المخطوطات العربية في الأندلس بعد سقوط المدن الإسلامية.
ثامنًا: آثار طليطلة الحضارية الباقية:
رغم السقوط، بقيت آثار الحضارة الإسلامية واضحة في:
العمارة.
المساجد القديمة.
القصور.
أنظمة الري.
العلوم المنقولة إلى أوروبا.
ولا تزال مدينة طليطلة الإسبانية تحمل كثيرًا من الملامح الإسلامية حتى اليوم.
تاسعًا: الدروس والعبر من سقوط طليطلة:
1)أن الفرقة طريق السقوط.:
2) أن الحضارة بلا قوة تحميها معرضة للانهيار.
3) أن العلم والوحدة من أعظم أسباب النهضة.
4) أن الترف والفساد يُضعفان الأمم.
5) أن الأعداء يستغلون الانقسامات الداخلية دائمًا.
خاتمة:
لم تكن طليطلة مدينةً عادية، بل كانت رمزًا للحضارة الإسلامية في الغرب الإسلامي، ومركزًا للعلم والجهاد والعمران. وحين سقطت، لم يسقط معها حصنٌ فقط، بل انفتح باب الانهيار الطويل للأندلس كلها.
ومع ذلك، بقي تراثها شاهدًا على أن المسلمين حين يجمعون بين الإيمان والعلم والوحدة يصنعون حضارةً تُغيِّر وجه التاريخ.
أهم المراجع العربية:
1) محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1997م.
2) حسين مؤنس، فجر الأندلس، دار الرشاد، القاهرة، 1985م.
3) المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، دار صادر، بيروت، 1968م.
4) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987م.
5) عبد الرحمن الحجي، التاريخ الأندلسي، دار القلم، دمشق، 1981م.
6) علي الصلابي، دولة المرابطين، دار المعرفة، بيروت، 2005م.
7)أحمد مختار العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، 1964م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى