
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
حين يُذكر التاريخ الإسلامي في أوروبا، تتجه الأنظار غالبًا إلى الأندلس وصقلية والبلقان، بينما تُطوى في الظل صفحاتٌ أخرى شديدة الأهمية، من بينها تجربةٌ إسلامية فريدة قامت في جنوب فرنسا عُرفت باسم: إمارة فراكسينيتوم الإسلامية، أو “فراكسينت”,أو فرخشنيط” كما وردت في بعض المصادر الأوروبية.
لقد مثّلت هذه الإمارة واحدةً من أكثر التجارب الإسلامية جرأةً في قلب أوروبا الغربية خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، حيث استطاع المسلمون تأسيس قاعدةٍ عسكريةٍ ،وحضاريةٍ في منطقة بروفانس جنوب فرنسا، وأقاموا نظامًا سياسيًا ،وعسكريًا امتد تأثيره إلى جبال الألب، والطرق التجارية الأوروبية.
ورغم قِصر عمر هذه الإمارة نسبيًا، فإنها كشفت عن:
القوة البحرية الإسلامية،
والقدرة على التمدد الحضاري،
ومرونة المسلمين في بناء مراكز نفوذ خارج العالم الإسلامي التقليدي.
ومن المهم التنبيه علميًا إلى أن هذه الإمارة لم تكن مرتبطة بمقاومة “الاستعمار البريطاني”، لأن بريطانيا الاستعمارية ظهرت بعد ذلك بقرون طويلة؛ بل كانت في صراعٍ أساسًا مع الممالك الإفرنجية، والقوى المحلية في جنوب فرنسا ،وإيطاليا والإمبراطورية الجرمانية. ولذلك فإن الربط بينها وبين الاستعمار البريطاني يُعد خطأً تاريخيًا ينبغي تصحيحه.
أولًا: ما هي إمارة فراكسينيتوم؟ وأين تقع؟:
تقع فراكسينيتوم (Fraxinetum) في منطقة بروفانس جنوب فرنسا الحالية، بالقرب من خليج سان تروبيه، في موقع جبلي حصين يُعرف اليوم باسم:
جبل لا غارد-فريينيه
(La Garde-Freinet).
وقد اختار المسلمون هذا الموقع بعناية؛ لأنه:
مرتفع وصعب الاقتحام،
قريب من البحر المتوسط،
متصل بالممرات الجبلية المؤدية إلى إيطاليا وسويسرا.
(محمد عبد الله عنان:1997م ، ج1، ص112).
ثانيًا: كيف نشأت الإمارة الإسلامية في جنوب فرنسا؟:
تعود نشأة الإمارة إلى أواخر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، حين نزلت مجموعة من البحارة، والمجاهدين المسلمين القادمين من الأندلس وشمال إفريقيا على سواحل بروفانس حوالي سنة 277هـ/889م.
وقد استطاع هؤلاء:
السيطرة على المنطقة الجبلية،
بناء الحصون، والقلاع،
إنشاء قاعدة عسكرية بحرية قوية.
ثم توسع نفوذهم تدريجيًا حتى أصبح لهم وجود واسع في:
جنوب فرنسا،
وبعض الممرات الألبية،
وأجزاء من شمال إيطاليا.
(حسين مؤنس:1987, ص222).
ثالثًا: أصل سكان الإمارة, وقادتهم:
يرى أغلب المؤرخين أن سكان الإمارة كانوا من:
الأندلسيين،
والبربر المسلمين،
وبعض البحارة القادمين من شمال إفريقيا.
وقد وصفهم الأوروبيون باسم:
“السراسنة”
(Saracens).
أبرز القادة:
1)نصر بن أحمد:
يُعد من أوائل القادة الذين ثبتوا الوجود الإسلامي في المنطقة، وأسهموا في بناء الحصون وتنظيم القوات.
(ابن الأثير:1995م ج7، ص144).
2)القادة البحريون الأندلسيون:
اعتمدت الإمارة على قيادات بحرية ذات خبرة كبيرة بالملاحة والغارات البحرية، خاصة من الأندلس.
وقد تميزوا بـ:
سرعة الحركة،
والقدرة على المناورة،
وبناء شبكات إمداد بحرية فعالة.
(حسين مؤنس:1991م، ص301).
رابعًا: أهم مقومات قوة إمارة فراكسينيتوم:
1) الموقع الجغرافي الحصين:
وفّر الجبل حماية طبيعية قوية ضد الهجمات الأوروبية.
2)التفوق البحري الإسلامي:
امتلك المسلمون خبرة بحرية كبيرة مكنتهم من:
السيطرة على أجزاء من المتوسط،
وقطع طرق الإمداد،
وتنفيذ حملات سريعة.
3) المرونة العسكرية:
اعتمد المسلمون على:
حرب الجبال،
والهجمات المباغتة،
والتحصينات الذكية.
4) شبكة التحالفات ،والتجارة:
أقامت الإمارة علاقات تجارية مع مناطق متعددة من المتوسط.
(محمد عبد الله عنان:1997م، ج1، ص118).
خامسًا: أهم أعمال الإمارة في خدمة الإسلام:
1)نشر الوجود الإسلامي في أوروبا الغربية
مثّلت الإمارة امتدادًا للحضور الإسلامي خارج الأندلس.
2) حماية طرق التجارة الإسلامية:
أمّنت بعض المسارات البحرية والتجارية للمسلمين.
3) نشر التأثير الحضاري الإسلامي
دخلت بعض:
الكلمات العربية،
والأنماط الزراعية،
وأساليب الري، إلى جنوب فرنسا عبر هذا الوجود الإسلامي.
(غوستاف لوبون:1981م، ص421).
4)إضعاف القوى الإقطاعية الأوروبية:
فرض المسلمون ضغطًا عسكريًا على القوى المحلية، مما غيّر موازين القوى في المنطقة فترةً من الزمن.
سادسًا: الآثار الحضارية ،والاقتصادية،والعسكرية للإمارة:
أ)الاثار الحضارية :
انتقال بعض العلوم الزراعية الإسلامية.
إدخال تقنيات الري.
التأثير في العمارة والتحصينات.
ب)الآثار الاقتصادية:
تنشيط التجارة البحرية.
الربط بين المتوسط الغربي والأسواق الأوروبية.
ج)الآثار العسكرية:
تطوير أنظمة الدفاع الجبلي.
نشر مفهوم الحصون الساحلية.
سابعًا: كيف سقطت الإمارة؟:
بدأ ضعف الإمارة مع:
تزايد التحالفات الأوروبية ضدها،
ضعف الإمدادات البحرية،
الانقسامات الداخلية.
وفي سنة 365هـ/975م تقريبًا شنّت القوى المسيحية الأوروبية حملةً كبرى بقيادة:
وليم كونت بروفانس
(William of Provence)
واستطاعت إسقاط الإمارة بعد معارك عنيفة.
(ابن خلدون، ج4، ص178).
ثامنًا: أسباب سقوط إمارة فراكسينيتوم:
1) العزلة الجغرافية:
فقد كانت بعيدة عن العمق الإسلامي.
2) ضعف الدعم من الأندلس
انشغل الأمويون في الأندلس بصراعاتهم الداخلية.
3) اتحاد القوى الأوروبية:
توحّد أمراء أوروبا ضد الوجود الإسلامي.
4) الحصار الاقتصادي والعسكري
قُطعت طرق الإمداد البحرية تدريجيًا.
تاسعًا: الدروس والعبر من تجربة الإمارة:
أن المسلمين امتلكوا قدرةً كبيرة على التوسع الحضاري.
أن القوة البحرية كانت من أسرار التفوق الإسلامي.
أن الانقسام الداخلي من أخطر أسباب السقوط.
أن الحضارة الإسلامية تركت أثرها حتى في المناطق التي حكمتها لفترات قصيرة.
الخاتمة
لقد كانت إمارة فراكسينيتوم تجربةً إسلاميةً فريدة في قلب أوروبا الغربية، أثبتت أن المسلمين لم يكونوا مجرد فاتحين، بل كانوا أيضًا:
بناة حضارة،
وأصحاب علم،
وأهل تنظيم وإدارة.
ورغم سقوط هذه الإمارة، فإن آثارها التاريخية بقيت شاهدًا على مرحلةٍ استطاع فيها المسلمون أن يثبتوا وجودهم السياسي والعسكري والحضاري في جنوب فرنسا، وأن يتركوا بصماتٍ لا تزال موضع دراسة المؤرخين حتى اليوم.
أهم المراجع العربية، والأجنبية:
1) محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997م.
2)حسين مؤنس، تاريخ المسلمين في البحر المتوسط، دار الرشاد، القاهرة، 1987م.
3) حسين مؤنس، فجر الأندلس، دار الرشاد، القاهرة، 1991م.
4) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965م.
5) ابن عذاري، البيان المغرب، دار الثقافة، بيروت، 1983م.
6) ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الفكر، بيروت.
7) غوستاف لوبون:1981، حضارة العرب، دار الهلال، القاهرة.
8) Philippe Sénac, Musulmans et Sarrasins dans le Sud de la Gaule, Paris, 1980.
9)Évariste Lévi-Provençal, Histoire de l’Espagne Musulmane, Paris.



