السعودية والحوثيون.. هل تبدأ حرب جديدة بعد تصاعد الهجمات

تقرير :صفاء دعبس
دخل التصعيد بين السعودية والحوثيين، الثلاثاء، مرحلة أكثر خطورة، بعدما شن الحوثيون هجمات منسقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت عدة مدن ومنشآت في جنوب السعودية، بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران. وأعلنت السلطات السعودية إصابة 73 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى اندلاع حرائق وتعطل عمليات في بعض منشآت الطاقة. وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجمات، فيما توعد التحالف الذي تقوده الرياض باتخاذ إجراءات للرد.
من جولة تصعيد إلى مواجهة مفتوحة؟
اللافت في التصعيد الأخير ليس فقط عدد الهجمات، وإنما نوعية الأهداف واتساع نطاقها. فبحسب رويترز، استهدفت الضربات منشآت تابعة لشركة أرامكو في أبها ونجران وجازان، إلى جانب قاعدة جوية في خميس مشيط. وهذا يعني أن البنية التحتية للطاقة أصبحت مرة أخرى في قلب المواجهة، بما يرفع تكلفة أي تصعيد جديد ويجعل تداعياته تتجاوز حدود السعودية واليمن.
وهنا تظهر أولى علامات الخطورة: كلما ارتفعت قيمة الأهداف، ارتفعت احتمالات أن يكون الرد المقابل أكثر قوة. الرياض أعلنت أن التصعيد «خطير»، بينما أكد المتحدث باسم التحالف أن إجراءات عملياتية ستتخذ لردع الحوثيين. وفي المقابل، يقول الحوثيون إن هجماتهم جاءت ردًا على العمليات السعودية داخل اليمن. هذه المعادلة تفتح الباب أمام دورة متبادلة من الضربات يصعب معها العودة سريعًا إلى التهدئة.
1- منشآت الطاقة تدخل دائرة الاستهداف
استهداف قطاع الطاقة هو أبرز ما يجعل الجولة الحالية مختلفة. فالهجوم على منشأة عسكرية يمكن احتواؤه عسكريًا، لكن إصابة منشآت نفطية أو تعطيل عمليات الطاقة يخلق تداعيات اقتصادية وسياسية تتجاوز ساحة المعركة.
وقد انعكس ذلك سريعًا على أسواق النفط؛ إذ اقترب خام برنت من حاجز 100 دولار للبرميل خلال تعاملات الثلاثاء، وسط مخاوف من اتساع الاضطرابات في المنطقة وتأثيرها على إمدادات الطاقة.
2- البحر الأحمر وباب المندب في قلب الحسابات
المواجهة السعودية–الحوثية لا يمكن فصلها عن أمن البحر الأحمر. فالحوثيون سبق أن هددوا الملاحة وأعلنوا إجراءات تستهدف السفن المرتبطة بالسعودية، بينما يمثل باب المندب واحدًا من أهم الممرات التجارية والطاقة في العالم.
وبالتالي فإن اتساع المواجهة قد يعني انتقال تداعياتها من المدن والمنشآت السعودية إلى الممرات البحرية والتجارة العالمية، وهو السيناريو الذي يجعل القوى الدولية أكثر اهتمامًا بمنع تحول التصعيد إلى حرب إقليمية طويلة.
3- الجبهة اليمنية نفسها تشتعل من جديد
التصعيد لم يبدأ من الأراضي السعودية فقط؛ فالمواجهة داخل اليمن شهدت خلال الفترة الأخيرة عودة قوية للقتال بين الحوثيين والقوات اليمنية المدعومة من الرياض، بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي منذ هدنة 2022.
وهذا عامل مهم للغاية؛ لأن استمرار العمليات داخل اليمن بالتزامن مع الضربات على السعودية يعني أن الطرفين لا يتبادلان رسائل عسكرية فقط، بل يدخلان تدريجيًا في مواجهة متعددة الجبهات.
4- الرياض أمام معادلة صعبة
السعودية تواجه الآن اختبارًا معقدًا: الرد بقوة قد يؤدي إلى اتساع الحرب، بينما الاكتفاء باحتواء الهجمات قد يشجع الحوثيين على رفع سقف عملياتهم.
ولهذا فإن القرار السعودي المقبل سيكون أهم تطور يجب مراقبته.
فإذا اتجهت الرياض إلى حملة جوية واسعة داخل اليمن، فقد نكون أمام بداية مرحلة جديدة من الحرب، أما إذا جاء الرد محدودًا ومدروسًا، فقد يكون الهدف إعادة فرض الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
5- لماذا قد تكون الجولة الحالية أخطر من سابقاتها؟
السبب لا يتعلق بالسعودية والحوثيين وحدهما. المنطقة أصلًا تعيش حالة توتر شديدة، وأسواق الطاقة تتفاعل مع كل تهديد جديد، بينما تتداخل أزمة اليمن مع أمن الخليج والبحر الأحمر.
وتشير التطورات الحالية إلى أن أي خطأ في حسابات طرف من الأطراف قد يحول التصعيد المحدود إلى مواجهة إقليمية أوسع، خصوصًا إذا تعرضت منشآت نفطية رئيسية لأضرار كبيرة أو سقط عدد أكبر من الضحايا المدنيين.
هل بدأت الحرب الكبرى؟
حتى الآن، لا يمكن القول إن حربًا سعودية–حوثية شاملة قد بدأت بالفعل. لكن من الصعب أيضًا التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد جولة عابرة.
الهجمات المنسقة على عدة مدن، واستهداف منشآت الطاقة، وسقوط عشرات المصابين، وتهديد الرياض بالرد، بالتزامن مع تصاعد القتال داخل اليمن، كلها مؤشرات على أن قواعد الاشتباك تتغير بسرعة.
والسؤال الأهم خلال الساعات والأيام المقبلة لن يكون فقط: هل سترد السعودية؟ وإنما: ما حجم الرد، وأين سيكون، وكيف سيرد الحوثيون عليه؟
إذا خرجت الإجابات عن إطار الضربات المحدودة، فقد يجد الشرق الأوسط نفسه أمام عودة فعلية للحرب السعودية–الحوثية، ولكن هذه المرة في بيئة إقليمية أكثر توترًا وأعلى تكلفة على الجميع.



