سياسة

سيف الإسلام والإخوان.. مجاهدو جون ماكين

أحمد المسلماني

هل كان الرئيس معمّر القذّافي خصماً لجماعة الإخوان؟
الإجابة الحاضرة لدى كثيرين هي: نعم، فقد كان الرجل خصماً لكلّ جماعات الإسلام السياسي.
لكنّ هذه الإجابة، في تقديري، ليست دقيقة بما يكفي. فلقد تحالف القذافي مع الإخوان في بداياته، كما تحالف من جديد قبيل نهاياته. وهذه قصة تستحقّ أن تُروى.

ستّون دقيقة
في كتابي “الجهاد ضد الجهاد” الذي صدرت طبعته العاشرة عام 2021، رويتُ جوانب من التخبّط الفكري في العهد القذّافي، حيث لا يمكن الإمساك بشيء، فلا القذافي هو رئيس الجمهورية، ولا الحكومة هي مجلس الوزراء، ولا هناك معالم واضحة لوزارة دفاع أو داخلية، ولا يوجد منصب وزير خارجية، بل أمين اللجنة الشعبية العامّة للاتّصال الخارجي.
القذافي هو قائد الثورة وليس رئيس الدولة، والحكومة هي اللجان الشعبية وليست الوزارات ومجلسها، وكلّ مؤسسات البلاد تمضي على هذا النحو، لا وضوح ولا حسم، لا هيكل ولا إطار. قبل صدور الكتاب الأخضر، لم يكن هناك شيء، وبعده لم يعد هناك شيء، فراغٌ في البداية، وفراغٌ في النهاية، وما بينهما فراغ.
قال لي دبلوماسي ليبي التقيته في القاهرة أخيراً: “لم يكن لدينا أيّ استقرار فكري أو سياسي، ولا رؤية نعمل من خلالها في سفاراتنا، بل ننتظر ما يأتي من “خيمة سرت” كلّ يوم، وأحياناً نسأل في المساء عمّا إذا كانت أوامر الصباح لا تزال ساريةً حتى اللحظة، وأذكر أنّني حضرت اجتماعاً موسّعاً برئاسة “القائد”، وفي نهاية الاجتماع، الذي استغرق ستّين دقيقة، أعطى توجيهات مخالفة لتوجيهاته التي أعطاها في بداية الاجتماع، وهكذا كان يمكن للتحوّل أن يكون في ساعة واحدة، لا في يوم واحد!”.

عمر المختار.. أو ما قبل الإخوان
اتّسم القادة الدينيون في تاريخ ليبيا الحديث بالاعتدال والتسامح، وعلى مدى عقود طويلة كان الاسمان الأبرزان في البلاد عمر المختار وإدريس السنوسي من بين رموز الوسطيّة في العالم الإسلامي.
كان المجاهد عمر المختار، الذي يُلقِّبه الشعب الليبي بـ”شيخ الشهداء”، يمنع قتال المدنيين الإيطاليين أثناء حرب التحرير الليبية.
ويذكر الكاتب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه أنّ الجيش الإيطالي كان قد أقام مستوطنة زراعية في الجبل الأخضر، قرب معقل عمر المختار، إلاّ أن هذا الأخير منعَ رجاله من الإغارة على سكان المستوطنة أو التعرُّض لهم.
كان عمر المختار حاسماً في ضبط القواعد الأخلاقية للجهاد ضدّ الاستعمار، وذلك باستهداف العسكريين وقتال الجيش الإيطالي من دون المساس بالمدنيين الأجانب. وبدوره كان الأمير ثمّ الملك إدريس السنوسي من قادة الوسطيَّة والاعتدال في البلاد.

إخوان ليبيا.. أوّل الدماء
بدأتْ حركات الإسلام السياسي في الظهور قبيل منتصف القرن العشرين، حين قام ثلاثة من جماعة الإخوان المسلمين المتّهمين باغتيال الوزير محمود فهمي النقراشي في مصر بالهروب إلى ليبيا.
وافق الأمير إدريس السنوسي على إيوائهم، فأقاموا بالبلاد، ثمّ بدأوا بنشر أفكار الإخوان، ولم يكن الأمير يمانع أن ينشروا حركتهم التي نظر إليها باعتبارها “حركة صوفية جديدة”.
يذكر باحثون أنّ الإخوان الليبيّين على ضعف حركتهم، سرعان ما تورّطوا في اغتيال “ناظر الخاصة الملكية” الذي جرى قتله بإطلاق الرصاص عليه، في أول عملية اغتيال في ليبيا الحديثة. فأمر الملك السنوسي بحلّ الجماعة، وظلّت الجماعة محظورة حتى جاء معمّر القذافي عام 1969.
مجاهدو جون ماكين
أيّد الإخوان انقلاب القذافي، ودخلوا في السلطة والحكم في عهده، لكنّهم سرعان ما خطَّطوا للانقلاب عليه ليكون انقلاباً على الانقلاب. وفي عام 1973، وبعد أربع سنوات من الوفاق الإخوانيّ القذافيّ، بدأتْ حقبة جديدة من الصدام بين الإخوان والقذافي.
لكنّ نهاية عهد القذافي قد شهدت عودة الوفاق الإخواني – القذافي من جديد. وقد تمّ ذلك وفق رؤية أميركية كان من صانعيها ثلاثة من نجوم السياسة الأميركية، وهم: السيناتور الراحل جون ماكين، وليندسي غراهام، وجوزيف ليبرمان.
كانت قَطَر قد سبقت الكونغرس في دعم الوجود الإخواني في ليبيا، وزار الشيخ يوسف القرضاوي البلاد، والتقاه الرئيس القذافي بعدما أثنى القرضاوي على “قائد الثورة الليبية”.
دخل الإخوان، الذين تحالفوا مع سيف الإسلام معمر القذافي، في وساطة بين القذافي الابن وبين الجماعة الليبية المقاتلة ذات المرجعية الجهادية. ولا يزال كتاب المراجعات الشهير “دراسات تصحيحيّة” من نتاج ذلك التحالف الإسلامي – القذافي.
نجح الإخوان وجون ماكين في الإفراج عن قرابة ثمانمئة من قادة الجماعة كانوا في سجون القذافي، وكان ذلك قبل الثورة الليبية بقليل.
فوجئ القذافي بموقف الإخوان في الثورة، حيث كان قد غيّر سياساته واعتبرهم حلفاء كما كانوا في بداية حُكمِه. وزادَ من وقْع المفاجأة أنّ الشيخ علي الصلّابي، الذي يمثِّل الإخوان والولايات المتحدة معاً، كان داعماً أساسيّاً لسلطة القذافي، وأحد المهندسين لعملية التوريث في ليبيا ودفْع سيف الإسلام القذافي إلى مقعد الرئاسة في البلاد خلفاً لأبيه.

اختطاف رئيس الوزراء
بعد قليل سقط نظام القذافي، وأسَّس الإخوان في ليبيا “حزب العدالة والبناء”. وفي مطلع العام 2013، استقبل المراقب العامّ للإخوان في ليبيا بشير الكبتي نائب المرشد العامّ للجماعة خيرت الشاطر في طرابلس.
يؤكّد باحثون وسياسيون أنّ جماعة الإخوان في ليبيا تلقّت الأموال من الخارج لشراء الولاءات، والسلاح لردع الخصوم. وينسبون إليها عمليات عنف وفساد، مثل اختطاف رئيس الوزراء علي زيدان في تشرين الأول من عام 2013، وتورُّط وزير النفط “الإخواني” آنذاك في “سرقة النفط” لمصلحة الجماعة، وبيعه للخارج من دون عدّادات أو وثائق رسمية.
وينسبون إليها أيضاً عمليات الهجوم على التلفزيون الرسمي الليبي واحتلاله بالقوّة، وتدمير مطار طرابلس، وإلحاق الضرر بالمنشآت العامّة الليبية.
ظهر الإخوان في أعقاب سقوط نظام “القذافي” باعتبارهم صُنّاع الثورة، وقد ساعد الإعلام الغربي والإعلام التركي والقطري في إظهار عدد من قادة الجماعة على نحو يؤكّد مركزيّتهم في الثورة.
لم يكن ذلك صحيحاً بأيّ حال، ذلك أنّ الإخوان في ليبيا قليلو العدد، وليس بإمكانهم ملء فناء مدرسة ثانوية. وكان الثوّار ينظرون إلى الإخوان باعتبارهم حلفاء للقذافي وداعمين لسيف الإسلام ومؤيّدين للتوريث وشركاء أمنيّين مع رئيس الاستخبارات عبد الله السنوسي.
وبدورهم كان السلفيون قد تحدّثوا على شاشات القذافي دعماً لنظامه ورفضاً للخروج عليه، وهو ما جعل الأوساط الشبابية الثورية تنظر إلى تيار الإسلام السياسي في ليبيا على نحو عام باعتباره من فلول أو أزلام، أي جزء، من النظام الذي خرجَ الشعب لإسقاطِه.

الجهاد ضدّ الجهاد
كان جون ماكين يقاوِم تلك الصورة الذهنية للإسلاميين الأزلام، وذلك بتقديم وجهٍ جديدٍ للإسلاميين الثوار. ويأتي دور جون ماكين في إطار رؤية إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما التي انطوت على تغيير سياسات الرئيس بوش الابن في التعامل مع حركات الإسلام السياسي. وتنهض رؤية أوباما على جانبيْن أساسيّيْن:
الأول دعم الإرهابيين القدامى لمواجهة الإرهابيين الجدد.
والثاني الإزاحة الجغرافيّة والعودة إلى الأصول، أي عودة الإرهاب إلى موطنه الإسلامي ومنابعه في العالم العربي.
خلاصة رؤية أوباما هي إطلاق الجهاديين على الجهاديين، وحماية المصَبّ الغربي بإعادة توجيه الإرهاب إلى المنبع العربي، أي إلغاء معادلة بوش: “الغرب ضدّ الجهاد”، وتأسيس معادلة جديدة هي “الجهاد ضدّ الجهاد”.
كان أداء السيناتور جون ماكين في إطار المعادلة الجديدة واضحاً وواثقاً. فقد أشار ماكين إلى الجهاديين الليبيين قائلاً: “إنّهم أبطالي”، ثمّ تابع كلامه: “هؤلاء المقاتلون الشجعان هم وطنيون، ويرغبون في تحرير وطنهم. ينبغي أن نساعدهم”.
كان بعض هؤلاء الأبطال من “مجاهدي جون ماكين” قادماً من “الجماعة الليبية المقاتلة – تنظيم القاعدة”، وبعضهم الآخر قادماً من أفغانستان والشيشان، وبعضهم الثالث قادماً من “حروب داعش” في سوريا والعراق. كانوا قادمين من قارّات العالم الستّ لأجل المعادلة الجديدة: الإسلام ضدّ الإسلام والجهاد ضدّ الجهاد. وتلك قصّة أخرى.
في عام 2021 عاد السؤال من جديد:

هل يمكن أن يكرّر سيف الإسلام في حال وصوله إلى السلطة، بأيّ طريق، تحالفه مع الإخوان، أم دماء الوالد قد تحول دون ذلك؟
لم يقدّم “القذّافيّون الجدد” إجابة على ذلك، لكنّ إجابة الأيام لا تبدو بعيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى