ملاحظات على الجامعات القومية في بنغلاديش

 
محمد شمس الحق صديق
المقصود بالجامعات القومية هي معاهد أهلية مستقلة عن الدعم والتدخل الحكوميين وتقدم التعليم الشرعي التقليدي في بنغلاديش. وقد أطلق عليها اسم الجامعة مستنداً إلى المعنى اللغوي للكلمة، فهي مشتقة من الجمع، والجمع هنا بمفهومه المطلق بما فيه جمع الناس للتعليم، فالجامعة تجمع الناس للتعليم، لذا صح إطلاق اللفظة لغوياً على أي معهد من شأنه أن يقدم التعليم، أما المفهوم المصطلحي للفظة الذي هو : مجْمُوعة معاهد علميَّة، وتُسَمّى كُلِّيَّاتٍ ، وتدرّس فيها الآدابُ والفنونُ ومختلف العلومُ فهي لا تنطبق على أي منها على حد علمي. على أية حال فإن هذه المؤسسات امتداداً للصرح العلمي العتيد، دار العلوم ديوبند، التي أسست عام 1867م في الهند بغرض المحافظة على الهوية الإسلامية ومحاربة ما جاء به الإنجليز من الثقافة الغربية الناشزة والمندسة في كثير من أطروحاتها في المحيط الإسلامي والتي كادت أن تعسف بالإرث الفكري والخلقي لمسلمي شبه القارة الهندية لولا انتباه آبائنا للزود عن حوضهم وإنشاء قاعدة تربوية قوية لمقاومتها وقد لا أجافي الصواب إذا قلت بأن دار العلوم ديوبند وزميلاتها التي أسست على غرارها ترجع اليها الفضل الأكبر في الحفاظ على الإرث الفكري والسلوكي للإسلام في عرض هذه المنطقة وطولها . ومن هنا يجب على كل منصف أن يشيد بجهودها ويثني على أولئك الأفذاذ الذين وقفوا وقفة رجل واحد أمام التيارات المعادية ولكن بما أن الزمن قد تقادم وأصبحت الضرورات الدعوية تقتضي غير ما كان تقتضيه في عهد الاستعمار لذا رأيت أن أسجل عليها الملاحظات التالية :
أ- غموض الرؤية حول تحولات العصر
لا شك أن العصر الحديث قد شهدت تحولات فكرية تغير معها معايير تفكير الإنسان ونظرته إلى الكون ، فإذا كان الإنسان في القديم يفكر وفق مصطلحات ميتافيزقية دوغمائية فإنه أصبح يفكر الآن وفق شروط و مصطلحات مادية ، فإذا حدث شيء في الكون فإن المثقف المعاصر لا يرده إلى أسباب ما ورائية في الغالب الأعم وإنما إلى أسباب ما دية. وقد بدأ هذا التوجه الفكري بصورة ملحوظة منذ عهد غاليليو ( 1524-1642م) الذي درس النجوم والكواكب ومظاهر الطبيعة الأخرى وخرج بنتيجة بأن كتاب الكون مكتوب بمصطلحات رياضية . وفي القرن الثامن عشر وضع نيوتن (1643-1727م) أسس الميكانيكا الفيزيائية التي أصبح الكون في كنفها آلة تتحرك تلقائيا دونما حاجة إلى مساندة إلهية ، كما وضع دارون في القرن التاسع عشر (1809-1882م) نظرية النشوء والارتقاء التي أصبح عالم الأحياء من منظورها شيئا يسير من تلقاء نفسه دون أن ينتظر تدخلات إلهية ، أما ماركس (1818- 1883ف) فقد وضع أسس الجدلية المادية وفسر التاريخ والتحولات الاجتماعية والاقتصادية تفسيرا ماديا ضاعت في خضمه فكرة التدخل والتدبير الالهيين .
وفي خضم هذه التحولات الفكرية التي تغلغلت إلى جميع أوجه النشاط المعرفي في العصر الحديث كان من اللازم بأن تفكر هذه المؤسسات التي ستخرج العلماء والدعاة لهذه الأمة، أن تفكر في تجديد المنهج ليواكب التحولات العصرية ووفق قواعد علمية متينة من شأنها أن يجعل خريجها ممن يفهمون تركيبة العقلية المعاصرة فيعيدوا الإيمان إلى قلوب تتطلع إلى قناعة علمية حول ما تحوي عليه عقيدته فيصبح الإسلام محببا لديه. ولكن بما أن الأمر لم يكن كذلك بل ظل الرفض العنيد لكل ما يتصل بالعصرنة هو سيد الموقف لدي أعرق هذه المؤسسات لدرجة أن مبادرة الاعتراف بشهاداتها كانت تضرب بها عرض الحائط من قبل القائمين عليها. مما يجعل خرجيها بعيدين عن فهم العصر وفي منأى عن مواقع النفوذ التي يتطلب الوصول إليه امتلاك شهادات معترفة. بل و أصبح ينظر إلي هذه المؤسسات و خريجيها ممن يعيشون في عالم آخر غير العالم الذي تتفاعل فيه حياة عامة الناس. و كانت النتيجة بأن لم تتمكن هذه المؤسسات على كثرة خريجيها من تحبيب الإسلام إلى المجتمع البنغلاديشي الحديث.
بـ – اعتماد المنطق الإرسطى في فهم العقائد الإسلامية وعرضها .
يرى البعض أن أسلافنا قد خدموا العلم والعالم عندما ترجموا المنطق الأرسطي ، لغة خطاب ذلك العصر ، وصاغوا العلوم الإسلامية وفق قواعدها ودللوا بكل جدارة بأن العقيدة الإسلامية هي التي تتفق والعقلية الإنسانية . فكان لجهودهم أثرها البعيد في انتشار الإسلام في أنحاء شاسعة من عالم ذلك اليوم – سواء كنا نؤيد هذا الرأي ونعارض – فإن الحقيقة التي لامهرب منها هي أن مناهج التفكير وقواعد المنطق قد شهدت تحولات جذرية في العصر الحديث وأصبح المنطق التجريبي المبني على التجارب والمشاهدات هو المسيطر على العقول. فالمنطق الأرسطي القديم الذي كان يعتمد على البراهين العقلية ويعبر عنها من خلال صور لفظية من مثل : العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث، أو العالم أثر القديم وكل أثر القديم قديم ، فالعالم قديم ، قد فقد مصداقيته في العصر الحديث، وقد سخر برتراند راسل، أحد منظري المنطق التجريبي، من أرسطو القائل : إن أسنان المرأة أقل عددا من أسنان الرجل سخر منه قائلا : إن أرسطو رغم أنه تزوج مرتين ولكن لم يخطر بباله أن يفتح فم إحدى زوجتيه ويعدد أسنانها ليتأكد ما إذا كانت نظريته صحيحة أم لا. فالمنطق التجريبي هو الذي يقوم عليه صرح الفكر الإنساني المعاصر. وهوالوحيد الذي يفهمه الإنسان الحديث ويفكر وفق شروطه كما أن الله تعالى قد جعل صفحات الكون وما فيه من الآيات مفتوحة مشاهدة وجعل العالم ما تحت البحار وما في الفضاء البعيد تحت مجهره انطلاقا من وعده القائل : ” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ” بل إن الإنسان المعاصر أصبح أقرب إلى فهم النص القرآني الذي يعرض الحقائق بأسلوب علمي بسيط كالذي يألفه الإنسان الحديث. ومادام الأمر كذلك فإنه كان من الضروري إعادة صياغة ما ألف قديما وبخاصة ما يتعلق بباب العقيدة، وإعادة صياغتها اعتمادا على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وما يدعمه من المعطيات العلمية الحديثة مع الاهتمام بعرض النظريات التوجهات الفكرية الحديثة التي تتحدى المعتقدات الدينية بكل شراسة كالإلحاد والدورونية ما إلى ذلك. غير أن المؤسف أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث إلى الآن في محيط مدراسنا الدينية، فكانت النتيجة أن خريجي هذه المعاهد ظلوا مغيبين تماماً عن أوجه الصراع الفكري المعاصرة وبعيدين عن المعترك الأيديولوجي الجاد. بل إنهم حين ينخرطون في خضم الحياة الدعوية فإنهم يواجهون عالما يختلف تماماً عما يحملونه في مخيلاتهم التقليدية. وليس هذا فحسب بل إن الخطاب الدعوى المنطلق من هذه المؤسسات وخريجيها يظل خطابا غامضا لدى العقلية المعاصرة.
تـ- تحجيم العقل :
إذا كانت العقلية الإنسانية قد شهدت نضجا معرفيا في العصر الحديث بسبب التجارب الفكرية الماضوية المتراكمة فإن مؤسساتنا التعليمية قد عودتنا، في المقابل، على النظرة الدونية إلى العقل مؤكدة على أنها تفقد الصلاحيات للتعامل مع النصوص مباشرة ويملى هذا العجز العقلي لزوما التقيد بما أفرزه مذهب فقهي معين من بين المذاهب الفقهية الأربعة مستندا إلى عبقريات الأئمة المنظرين لهذا المذهب أو ذلك فإذا كان للعقل الإنساني الحديث من شغل فذلك ليس القفز إلى النصوص بغية فهمها وإنما لحفظ ماقاله الأئمة عن ظهر قلب أو في أحسن الظروف محاولة فهم كلامهم فهما سليماً. وهذا النوع من النظرة الدونية تجاه العقل قد حول الداعية البنغلاديشي إلى شخص محاكٍ لما هو موجود وجاهز دون القدرة على مواجهة التحديات الجديدة أو انتاج فكر يتسم بالأصالة، مما سبب أن بنغلاديش على كثرة العلماء والدعاة فيها لم تستطع أن تقدم للعالم ولو مفكرا إسلاميا واحدا يعرفه القاصي والداني ويكون له إسهامات مشكورة في إثراء الفكر الإسلامي المعاصر.
ثـ- مشكلة تحديد الهدف والغاية :
كل من ينظر في المناهج المقررة في معاهد ديوبند وزميلاتها بالمنطقة يرى أن إثبات صحة مذهب فقهي معين وإبطال توجهات المذاهب الفقهية الأخرى وكأنه هو الهدف والغاية من وراء تأسيس هذه المدارس . علما بأن أسلوب ترجيح آراء توجهات المذهب الحنفي وإبطال ما يخالفها هو أسلوب المناظرة والخصام الفكري الذي يربي نفسية الكره والاحتقار لكل من يخالف في الرأي وليس نفسية الدعوة التي ملؤها المحبة والنصح وإرادة الخير للآخر.
مشكلة طريقة التلقين
يسود في جميع معاهدنا الإسلامية نظام عمادها التلقين والحفظ والتكرار وهذا كله قد يؤدي إلى تقوية ملكة الحفظ والذاكرة لكنه في الغالب الأعم يؤدي إلى خمول قدرات الابداع والخيال . وهذا النوع من التلقين يسبب أن خريجى هذه المعاهد لايقدرون على حل المشكلات التي يواجهونها في حياتهم الدعوية على الرغم من امتلاكهم لذاكرة قوية في كثير من الأحايين.
عدم الاهتمام باللغة العربية
هناك مثل سائد في أوساط المشايخ في شبه القارة الهندية والذي يقول : ” إن القرآن نزل في الحجاز وقرئ في مصر وفهم في الهند ” وبما أن الذين فهموا القرآن في الهند هم من الناطقين باللغة الأردوية وسجلوا غالب نتاجهم الفكري بهذه اللغة لذا ينصب الاهتمام الأولي على تعلم اللغة الأردوية فور التحاق الطالب بهذه المدارس حيث يدرس هذه اللغة لمدة سنتين على الأقل لينتقل منها إلى اللغة الفارسية ليتمكن من قراءة قواعد اللغة العربية المكتوبة باللغة الفارسية و مؤلفات الشاعر الفارسي الشيخ سعدي وغيرهم. وعندما يدرس في المراحل اللاحقة بعض دواوين الشعر مثل ديوان الحماسة وديوان المتنبي والمعلقات السبعة و مقامات الحريري فإنها تبقى لدى معظم الطلاب غير مفهومة وبالتالي مبتورة الصلة بالحياة العملية مما يسبب أن الخريجين في معظمهم لا يفهمون التراث الإسلامي المكتوب باللغة العربية فيبقي على جهل بكثير من الأمور التي ينبغي على الداعية أن يكون على إلمام بها .
غياب المواد الدعوية من المنهج
المنهج الدراسي الذي يتم تدريسه في معاهد ديوبند تخلو من المواد الدعوية بل إن معظم الطلاب يصعب عليهم فهم ما ذا يعني مصطلح الدعوة ؟ . فالعقلية التي تنشأ لدي الطلبة في غياب المواد الدعوية هي عقلية إفتائية وليست دعوية .
وبسبب جملة هذه الأمور فإن المعاهد التي كانت من المفروض أن تخرج الدعاة الأكفاء المتحمسين للدعوة والقادرين على مخاطبة العقلية الحديثة بلغة مفهومة فإنها تخرج أناسا ينطبق على معظمهم المثل العربي القائل: “لا في العير ولا في النفير” فضلا عن أن يقوموا بدور قيادي لأسلمة المجتمع و إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
(ملحوظة: حقوق النشرمحفوظة للمؤلف)