بلاد الثلج

بلاد الثلج
قصة قصيرة

كتبها / عبده داوود 

كريستينا كانت جالسة بجانب النافذة تراقب الثلج الهاطل بغرازة برقع كبيرة كالقطن المندوف.
غطت الثلوج كل الألوان، وتلونت الحياة باللون الأبيض، أسطحة المنازل القرميدية، غفت تحت طبقة سميكة من الثلج، وتدلت منها نوازل الجليد من السطوح حتى الشارع…
كانت وحيدة في المنزل، تتمنى أن ترى إنسانا ماراً لتطمئن بان سكان المدينة لا يزالون أحياء. تفرح حتى لو رأت كلبا في الطريق، هذا يشعرها بأن أحدهم يتبع ذلك الكلب، وهذا معناه بأنها ليست الوحيدة في هذا العالم المتجمد…
زوجها بدرو يعمل في أحد فنادق المدينة، وهو غالبا في عمله، فكاد الضجر والفراغ يفتكان بها…
زوجها لم يكن يسمح لزوجته أن تعمل، علماً بأنها مهندسة ديكور وفنانة، وعملها مطلوب، كان يقول لها أريدك دائما في المنزل، لأن أوقات عملي في الفندق تتغير باستمرار، مرة في الليل، ومرة في النهار، واحياناً في الليل والنهار… وضعي المالي جيد، الاكراميات من الفندق سخية وكافية…لذلك لا حاجة لأن تعملي البتة…
كانت تتذكر عندما جاء بدرو يطلب يدها من أهلها بعد سنوات حب ملأت حياتها.
لكن ابوها رفض طلب بدرو، تبين له بان العريس لا يستحق، عمله في الفندق وضيع غير مناسب إلى أبنتهم الجامعية مهندسة الديكور…
عارضت كريستين أبويها بشدة، وتحت موقفهم المتشدد، هربت مع بدرو، وساكنته بدون زواج رسمي، لأن بدرو اقنع كريستينا إنهما لا يحتاجان إلى عقود من أي نوع، وقال بأن الحب الذي يربطهما أقوى من أي وثيقة كنسية، أو قانونية يكتبانها…حبهما هو وثيقة غير قابلة للطعن…
في البداية كانا سعداء مع بعضهما البعض.
بعدها صارت تمر الأيام والشهور، رتيبة مملة باردة متشابهة…
صار غياب الزوج عن المنزل متكررا، وحجج غيابه أصبحت كثيرة واهية غير مقنعة…
مر الأسبوع الأخير ولم يخابر بدرو زوجته حتى مرة بالهاتف.
لذلك قررت الذهاب حيث يعمل زوجها لتعرف سبب غيابه…
بدرو كان مانعا زوجته من زيارته بالفندق حتى لا تراه يعمل في خدمات وضيعة جدا، بينما هو كان يكذب عليها مدعيا بأنه ذو شأن في العمل.
تفاجأت كريستينا عندما قالوا لها: بأن بدرو في شهر العسل، لقد تزوج من نزيلة كانت في الفندق.
كريستينا توقعت جميع الاحتمالات إلا هذا الاحتمال، وخاصة بعد مسيرة الحب الطويلة بينهما.
وعندما تأكدت من الأمر، أقسمت بألا تعود إلى المنزل،
كانت تجهش بالبكاء وهي تسير في الشوارع بلا هدى وقدماها تنغرزان في الثلوج السميكة…
شاهدت كنيسة مفتوحة، وقررت أن تلتجأ إلى العذراء أم يسوع حتى تساعدها…
جثت امام تمثال العذراء تخاطبها وتقول: يا عذراء ساعديني، وانهمرت الدموع من عينيها سخية.
راهبة في الكنيسة لاحظت كريستينا الباكية، وتألمت لها، فسألتها إن كن بمقدورها المساعدة…
قصت كريستينا قصتها ودموعها جارية…
طلبت الراهبة من رئيسة الدير استقبال كريستينا وخاصة كانت الراهبات يبحثن عن مهندسة ديكور لتعيد تنظيم ديكورات ديرهن روضة الأطفال في مدرستهن شمال كندا…
سكنت كريستينا في دير الراهبات معززة مكرمة، وعادت الحياة تسري في حياتها الروحية، والسعادة بدأت تزحف إلى قلبها من جديد…وخاصة بعدما تدخلت إحدى الراهبات وأصلحت الوضع الصعب بين كرستينا وأهلها…

انهمكت في أعمال الديكور الرائعة في مدرسة الروضة عند الراهبات، مما لفت نظر الأهالي، لذلك طلبن من الريسة أن تسمح له بتنفيذ ديكورات ورسومات في منازلهم…
يوما بعد يوم اشتهرت أعمالها وأصبح دخلها كبيراً لكنها كانت تتبرع بأغلب أموالها إلى صندوق الدير لأنها اعتبرت هذه الأموال مستحقة إلى الراهبات اللواتي فتحن لها صدورهن…
تقاعد طبيب مدرسة الراهبات تلك السنة، فتعاقدت رئيسة الدير مع طبيب شاب ابن عائلة مرموقة ثرية، هو أعجب بمهندسة الديكور، وهي أعجبت في هذا الطبيب الشاب، هو أعجب بفنها، وهي أعجبت بإنسانيته، تحابان وتواعدان على الزواج…
اقامت الراهبات حفلة زواج كنسي لم تعرف المدينة بجماله، حضر الكليل أهل كريستينا، وأهله وناس كبار من المدينة.
أخذ الدكتور عروسته إلى فندق بمدينة ساحلية، تفاجأت كريستين بان بدرو هو الذي فتح لهم باب السيارة، وحمل لهم الحقائب إلى غرفتهم الفخمة، ولم يتجاسر حتى النظر إلى من كانت حبيبته يوما، لكن حبيبته أعطته إكرامية سخية، احتقارا لم فعله، فأخذ بالبكاء وتساقطت دموعه…
بعض النزلاء اشتكوا للمدير الفندق بأن بدرو يتحرش بنزيلات الفندق، فطرده من العمل…
ذات يوم كانت كريستينا تراجع العمل في احدى ورشاتها مع رئيس العمال، تفاجأت بأن بدرو يعمل حارس الورشة، وقد قدم لهما الشاي ذليلا…
في اليوم التالي لم يحضر بدرو للعمل. ولا أحد يدري أين اختفى…
بكت كريستينا. اشفاقا عليه، وعلى كذبه وطلبت له الشفاء