(عندما كنا أمة ) هكذا كان المفاوض المسلم

د.صالح العطوان الحيالي
كان المفاوض المسلم سلاحه الإيمان والتقوى وبلاغة الحديث والكلام ولا يخاف أحد مهما علا شأنه وكان يقف يفاوض خصمه والأسد وينزع منه الكلام وحبيبه بالقرآن والحديث النبوي وكان كل واحد منهم متكلم قوي شجاع لا يرتبط ولا يعرف الخوف أو الموت وحديثها اليوم عن الصحابي معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عاءذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أوس بن سعد الأنصاري المدني الخزرجي صحابي وسفير وفقيه وقاريء قران وراوي للحديث النبوي من أنصار بني أذى من بني جثم من الخزرج ولد سنة ١٨ قبل الهجرة في يثرب وتوفي سنة ١٨ للهجرة يطلعون عنوان في الأردن . أسلم وهو في سن ١٨ شهد بيعة العقبة الثانية ثم شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم. استبقاه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ليعلم الناس قراءة القرآن ثم بعثه عاملا على اليمن . بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم شارك في الفتوحات الإسلامية وبعثه أبو عبيدة إلى الروم مفاوضا لهم قبيل موقعة فحل …
بعد مناوشات بين الروم والمسلمين قبيل موقعة ” فحل ” ، أرسل الروم إلى المسلمين : ان ابعثوا إلينا رجلا نسأله عما تريدون ، وما تسألونه وما تدعون إليه ، ونخبره بما نريد ، فأرسل إليهم أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه الصحابي معاذ بن جبل الانصاري رضي الله عنه مفاوضا وسفيرا عن المسلمين ، فاستعد الروم لاستقباله ، واظهروا اجمل ما عندهم من الزينة ، وانفذ ما عندهم من الاسلحة ، وفرشوا ألأرض باثمن البسط ، والنمارق ألتي تكاد تخطف الابصار ، ليفتنوا معاذا عما جاء له ، او يرهبوه ، ويفتوا في عضده ، ففاجأهم بتعاليه عن زينتهم ، ورفضه لكل أشكال ألمغريات ، وبشدة تواضعه ، وزهده ، بل اغتنم ذلك الموقف لأستخدامه سلاحا ضد الروم ، فأمسك بعنان فرسه ، وابى ان يعطيه لغلام من الروم ، وأبى الجلوس على ما أعدوه لأستقباله ، وقال لهم : ” لا اجلس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم ، وجلس على الارض … وقال : إنما أنا عبد من عباد الله أجلس على بساط الله ، ولا أستأثر بشيء من مال الله على اخواني ” ، ودار بينهم حوار ، سألوه فيه عن ألإسلام ، فأجابهم ، وسألوه عن نبي الله عيسى عليه السلام ، فقرأ عليهم قوله تعالى “” إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون “” آل عمران : 59″ وأوضح لهم ما يريده منهم المسلمون ، وقرا عليهم قوله تعالى “” يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة “” التوبة : 123″” ، وقالوا له : ” إن سبب انتصار المسلمين على الفرس هو موت ملكهم ، وإن ملك الروم حي ، وجنوده لا تحصى ” ، فقال لهم : ” إن كان ملككم هرقل فإن ملكنا الله ، وأميرنا رجل منا ، إن عمل فينا بكتاب الله ، وسنة نبيه ، أقررناه ، وإن غير ، عزلناه ، ولا يحتجب عنا ولا يتكبر ، ولا يستأثر علينا ، واما عن كثرتكم ، فقرأ عليهم قوله تعالى ” كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ” البقرة :249″ ، ولما فشل الروم في التأثير على معاذ رضي الله عنه أو النيل منه فيما اعدوه من بهارج ، وخيلاء ، عادوا يعرضون عليه الصلح ، وان يعطوا المسلمين البلقاء ، وما والاها ، فأعلمهم معاذ رضي الله عنه : ” أنه ليس أمامهم إلا الإسلام ، او الجزية ، أو الحرب ، فغضبوا وقالوا : إذهب إلى أصحابك ، إنا لنرجوا أن نقرنكم في الحبال ، فقال معاذ : أما الحبال ، فلا ، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا ، أو لنخرجنكم منها أذلة صاغرون ” ! ، ثم أنصرف …
المصادر
الإصابة في تمييز الصحابة
الطبقات الكبرى
سير إعلام النبلاء
أسد الغابة
تهذيب الكمال