التعليم بالحيلة أنفع من الوسيلة…”الكلب والأدب”

د. طارق رضوان جمعه
إذا ما اشتدت وطأة الحياة وتأزمت الكلمة وعجز العقل عن التمييز بين الواقع والخيال، أو بين الشيء ونقيضه، عندئذ نلجأ للحكمة التي هي خلاصة تجارب الناس لمئات السنين.
وقد يندهش البعض أنى أكتب عن الكلاب. وقد يتبادر إلى أذهان البعض سؤال عن علاقة الأديب والأدب بالكلاب؟ ولكى نستوعب الأمر فما هو الأدب؟ ولماذا نقرأه؟ وما قيمة الأديب وأهميته؟ الأدب ليس مقصور على مؤلفات الأدباء فقط؟
الأدب يا سادة هو مرآة لكل زمان ومكان، فما كُتب في التاريخ غالباً يكون من باب قوة سياسية وتوجهاتها، وأما الأدب فهو مرجع أصدق وأغنى لمعرفة أحوال الناس وشؤونهم في مرحلة زمنية ما. وهكذا فإن محتوى الأدب، أبعد من مضمونه الأدبي المرتبط بمعاني الكلمات وجماليات التعبير والصياغة، فهو بمثابة الأسس التي تغني الحياة وتضيف لها. إن كان الأدب يضيف لحياتنا، فلم تخشاه فئة كبيرة من المجتمع؟ لما ترى فيه أعداد كبير من الأسر، تهديداً لبنية ومنظومة الأفكار التي يمكن أن يكتسبها الأبناء في طور نموهم؟
الأدب يستمد أهميته من الواقع ويضيف إليه، حتى يتطور فكره ويحظى بفرصة محاكمة الأشياء، من خلال منظوره وفهمه الغني للحياة.
فالأدب هو متعة عميقة على الصعيدين المعنوي والروحي. وهو ليس مقصور على مؤلفات الأدباء بل هو بالفعل موجود بالكتب المقدسة أيضاً.
وعليه فإن الأدب قادر على تغيير رؤية الإنسان للحياة، سواء من خلال ما حققه الأدباء من إنجازات قيمة ساهمت في الارتقاء بثقافة ومفاهيم المجتمع، أو عبر سيرهم الذاتية في الأدب الواقعي، والتي تلقي الضوء على تجاربهم المميزة التي تضيف إلى تجربة الإنسان وثقافته.
لابأس من مثل هذه التساؤلات السابقة حول الأدب ودوره. فهذا من شأنه التمييز بين الأدب الهادف والأدب السطحي. والأديب أو الأدب القوى لا يخشى المناظرة والمقارنة.
فمثلاً أدب الخيال ومصاصو الدماء ليسوا مجرد وحوش مخيفة ، ولكنهم يمثلوا شريحة طفيلية من المجتمع تتصف بالأنانية والفساد، ورفض احترام كينونة الآخرين. وفرانكشتاين، ما هو إلا حصيلة عالِم دفعه غروره إلى اختراع ما هو ليس بقادر على مواجهته أو احتوائه.
وكم من أبطال تحول مسارهم من النضال لأجل وطنهم، إلى جشع السلطة والنفوذ، ليصبحوا وبالاً على أمتهم بعدما كانوا من حماتها.
وبطل مقالي اليوم ورد ذكره في القرآن في ثلاثة مواضع. وإن كان الله عز وجل ذكره في قرأن كريم يُتلى أناء اليل وأطراف النهار، فكان هذا دافع قوى لي أن أُشير إليه. “الكلب” حيوان ذكره المولى عز وجل لأهداف تربوية وإرشادية مختلفة.
حينما تقرأ قطعة أدبية، فأنت تقرأ تجربة حياة من خلال عيني شخص آخر. وبذلك يتاح لك معرفة وجه آخر لا تعرفه عن الحياة. تماماً كما تشاهد فيلماً عن ظروف مجتمع آخر له قصصه المختلفة عن عالمك.
الكتاب الجيد يجعلك تفكر خارج حدود عقلك، ويجعلك تتعاطف مع الناس الذين خاضوا تجارب لم تعرف عنها، والتي تعلمك عن أشياء لم تكن لتدرك وجودها أو التعرف عليها بمفردك.
يمكن من خلال الأدب، الدخول إلى التاريخ بصورة شخصية ومكثفة. فقصص التاريخ تحكي عن أحداث يمكن لك من خلالها، أن تعرف ماهية الشعور في أن تكون وسط معارك شهيرة، أو مجاعة، أو زمن ركود اقتصادي، أو زمن مزدهر، أو المعاناة الحقيقية في زمن الحروب. وهذا هو الحال في القصص القرأنى. “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا”.
ذُكر الكلبُ في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
ذُكر كوسيلة للصيد في الآية الرابعة من سورة المائدة في قول الله جل شأنه: «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ».
ومعنى هذا الجواب أن الله تعالى لم يحرِّم على المؤمنين شيئاً من الطيبات، وإنما حرَّم عليهم الخبائث وحدها، وأضاف إلى ما هو حلال نوعاً آخر هو أَكْلُ ما وقع صيدُه بواسطة الكلاب المعلَّمة التي أُدِّبَتْ وعُلِّمَتْ الاصطياد لصاحبها، والكلب لا يَصير مُعَلَّماً إلا عند أمور، وهي: إذا أُرسل استرسل، وإذا أَخذ حَبس ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يَفرَّ منه، فإذا فعل ذلك مرَّاتٍ فهو مُعلَّم، أي أن تعليم الحيوان يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادةُ الكلب السَّلْبُ والنَّهْبُ، فإذا ترك الأكل مرّات عُرِف أنه تعلَّم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرْع نقص من أجره كل يوم قيراط» أخرجه البخاري ومسلم.
فكما للعالم فضيلة ليست للجاهل فهذا هو الحال في مخلوقات الله الأخرى فالكلب المُدرب خير من سائر الكلاب الأخرى، وهذا ثابت بالدليل القطعي في السورة السابقة. فالإنسان إذا كان لديه عِلْم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيما إذا عَمِل بما عَلِم، وهذا كما وَرَد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال «لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يُحسنه».
وهناك تشابه كبير بين الإنسان الذى لا يؤمن بالله وبين الكلب: فقد تم ذكِر الكلب في القرآن الكريم كأحد الحيوانات ذات السُّلوك الطبيعي والسِّمات الجسدية المميزة. والكلب في طبيعته يرضى بكل عوض خسيس، لذلك ضربه الله مثلاً للذي قَبِل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه.
ففي الموضع الثاني ، فى سورة الأعراف في قول الله جلَّ شأنه «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ*َ ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».
قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء وعطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال المرض وحال الصحة، وحال الري وحال العطش، فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، فقال: إن وعظته ضَلَّ وإن تركته ضَلَّ، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث، كقوله تعالى: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»، وقوله تعالى: «وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ».
أما الموضع الثالث الذي ذُكِر فيه الكلب في القرآن الكريم كأحد الحيوانات الأليفة التي ترافق الإنسان من خلال قصة الكلب الذي اشتهر برفقتهِ لأصحاب الكهف الذين ذكرهم الله جلَّ شأنه في الآيتين الثامنة عشرة والثانية والعشرين من سورة الكهف، في قوله جلَّ شأنه: «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»، وقوله جلَّ شأنه: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً».
وكلب أهل الكهف كان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه على ما قال مقاتل، وكان اقتناء الكلب جائزاً في وقتهم كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا. وكما ذكرهم الله ذكر كلبهم، ويقال: كما كرَّر ذكرهم، كرر ذكر كلبهم، ويقال: سَعِد الكلبُ حيث كرر الحق سبحانه ذِكرهم وذِكر الكلب معهم على وجه التكرار، ولمَّا ذكرهم عدَّ الكلب في جملتهم.
وأخيرا وحديثاً لا تتعجب حين تعلم أن في غرب سيدنى سينضم إلى الطلاب صديق جديد للمساعدة في العودة إلى المدرسة بعد القلق، الذي يسيطر على الطلبة. الصديق الجديد هو ييل؛ وهو كلب إرشادي لابرادور، دُرّب على أنه كلب تسلية، وهو أحدث موظف في مدرسة ترينيتي الكاثوليكية الابتدائية في كيمبس كريك، بحسب موقع “أستراليا بالعربي”. وأُحضر كلب العلاج للمساعدة في تسهيل عودة الطلاب والمعلمين إلى الفصل الدراسي الجديد. وسيعيش الكلب مع أحد المعلمين، ولكن سيُحضره إلى المدرسة كل يوم، ليكون بمثابة تأثير مهدئ على الطلاب.
كما أن الكلب ذكر في الكتاب المقدس أربعين مرة. وكان الجاحظ أبلغ وأبرع من دافع عن الكلب في التراث العربي في كتابه الشهير “الحيوان” المجلد الثاني، حيث يتحدث عن كرم الكلاب، وصبر الكلاب، ودافع عن الكلاب – يقول عن إكرام الكلاب: هذا الكرم في الكلاب عام، والكلب يحرس ربه، ويحمي حريمه، شاهدا وغائبا، وذاكرا وغافلا، ونائما ويقظان، ولا يقصر في ذلك وإن جفوه، ولا يخذلهم وإن خذلوه ( المجلد الثاني ص173) ثم يروى الكثير من القصص عن وفاء الكلب.
الكلب ونباحه متعمق ومتجذر في الأدب العربي وعند الأعراب، فنباح الكلب من علامة كرم الضيافة والجود، ولدى العرب أمثال كثيرة تضرب في هذا المخلوق.
يقال: كلب يعوي لك ولا كلب يعوي عليك (المعنى اكسب العدو إلى جانبك). ولا يضر السحاب نباح الكلاب (المعنى لا يضر الكرام كلام السفهاء). وربيته جرواً فصار كلباً عضني (المعنى لمن ينسى النعمة ويصبح لئيماً).
قد تكون صورة ‏‏‏٧‏ أشخاص‏ و‏نص‏‏