شيرين أبو عاقلة تكتب الخبر الأخير

رشا فرحات

على أطراف مخيم جنين، أطلقت رصاصة واحدة مختلفة، اخترقت قلب كل فلسطيني، حينما اقتحمت مدرعات الاحتلال المخيم كعادتها منذ أشهر في ملاحقة ما يرعبها.

كانت الرصاصة هذه المرة من نصيب شيرين أبو عاقلة، التي كانت تقف في الزاوية مع زميلتها شذا حنايشة وهما تلبسان الزي الرسمي والدروع الواقية التي تبين بوضوح أنهما صحافيتان، ولم يكن هناك تجمهر حتى تتوه الرصاصة أو تخرج مخطئة طريقها، لقد استهدفت الرصاصة شيرين أبو عاقلة كما وصفت شذا المشهد استهدافا مقصودا مباشرا : ” بل أن الاحتلال كان يراقبنا من البداية وانتظر وصولنا إلى زاوية محدد ثم أطلق النار” .

شذا إلى جانبها تحاول أن تمد يدها، توقظها، تحاول أن تقول شيئا وترسل إشارة إلى الكاميرات البعيدة حتى يحاولوا أن ينقذوا شيرين أو يسابقوا الوقت ، ولم يسبقوه !

زميلها علي السمودي كان معها في ذات المشهد، وأصيب برصاصة في الخاصرة كان شاهدا على الإرهاب الإسرائيلي :” لم يطلبوا منا شيئا، لم يطلبوا منا الوقوف، أطلقوا النار مباشرة عليها وعلي ، كنا قد دخلنا نصور عملية الاقتحام، وبدون أي مقدمات قتلت بدم بارد من جيش متخصص بالقتل”.

 مقتل شيرين الذي ادعى الاحتلال أنه برصاصة فلسطينية جاء مصورا بالصوت والصورة، ليكشف كذبة واضحة، ففي تلك الدقيقة من الصباح الباكر لم تكن هناك اشتباكات ولا إطلاق نار من أي جهة، حتى لم يكن هناك احتجاجات أو رمي حجارة، لم يكن هناك شيء !

ورغم ذلك أطلق الجنود ثلاث طلقات نارية ، الأول أخطأ علي، والثاني أصابه في كتفه، وصرخت شيرين “علي مصاب ثم سقطت تحت الشجرة وغابت إلى الأبد.

و لم يتمكن الصحفيون من إنقاذها لأن إطلاق النار استمر لأكثر من ثلاث دقائق تجاه الصحافيين، ثم تعاونوا لنقلها عبر سيارة خاصة لأن الاحتلال منع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المكان.

شيعت شيرين أبو عاقلة الصحافية الفلسطينية التي عملت مع الجزيرة منذ عام 1971 ، المهندسة المعمارية التي تركت الهندسة وتحولت للصحافة حبا، وتخرجت من جامعة اليرموك في الأردن، ثم عادت إلى فلسطين لتكون صوتا لها في القناة العربية الأكبر على الساحة الإعلامية .

رحل الاسم والصوت الذي يعرفه العالم، رحلت كما على أي صحافي فلسطيني، فلسطيني فقط  أن يرحل برصاصة الاحتلال الذي لا يقهره الصوت والدرع الصحافي والخوذة الواقية، لكن ما يقهره أن يكون الفلسطيني هو من يرتديها، هو من يرتدي كلمة الحق وهو من سينقلها، وهذا ما يخيف الاحتلال فيغتالنا .

الاحتلال لم يتعامل مع شيرين معاملة الصحافيين المحترمة، إنما معاملته المعتادة لأي فلسطيني، فلسطين هي المستهدفة من خلال جسد شيرين، ولأجلها استشهدت وهي تعلم كثيرا هذه الحقيقة.

عشرات المرات استهدفت، واعتقلت، وضربت في الشيخ جراح وفي باب العامود، تضامنت وجلست على الدرجات كأي فلسطينية قبل أن تكون صحافية، ولكن الاحتلال الذي يفرض معايير نقل الصورة للعالم كيفما شاء، لم يعد يربكه وجود الصحافي، لكن يربكه وجود الصحافي حينما يكون الصحافي فلسطينيا، لأن كل صحافي فلسطيني لا بد أن يكون جنديا، مقاوما، متحدثا باسم معاناته الشخصية، وجعه الموروث أبا عن جد، وهكذا لطالما كان كابوسا يؤرق الاحتلال.

الاحتلال يكذب، والخائف دائما كاذب، ويقول بأن شيرين قتلت برصاصة فلسطينية، في ساعات الفجر والشمس ساطعة وحين تقتحم جنين، وبين وابل الرصاص، كيف لا يمكن أن ترى صحافية مدرعة بلباسها الواقي وخوذتها ؟!!

القيادي في حركة حماس إسماعيل رضوان :” هذه الجريمة ليست الجريمة الأولى ضد الصحافيين، ولوا هذا الصمت الدولي على جرائم الاحتلال لما ارتكب الاحتلال هذه الجريمة، وعليه ملاحقة مرتكب الجريمة التي نفذت في وضح النار، لصحافية معروفة بصوتها وصورتها

ويضيف رضوان: توقيت الاغتيال هذا يثبت أنه كان مقصودا، وعلى العالم أن يرى بعينيه أنها جريمة مكتملة الأركان ، هذا هو الإرهاب الحقيقي، والعالم يجب أن يعرف ذلك

حملت شيرين اليوم على أكتاف المجاهدين، والمقاومين والصحافيين وكأنهم يقولون شكرا يا شيرين، شكرا لأنك كنت صوت فلسطين العالي لخمسة وعشرين عاما .

وعلى شاشة الجزيرة أعلن الحداد، بكاها الصحافي تامر المسحال قائلا:” شيرين كانت نموذج ومعلم لنا جميعا، ولكل صحافي فلسطيني ، ولقد فقدت أسرة الجزيرة والأسرة الصحافية على امتداد العالم العربي، هذا الفقدان ليست فقدانا عاديا، وإنما فقدان لإنسانة رائعة عرفناها عن قرب، وعرفنا تغطياتها لأحداث القدس وفضلت أن تموت شهيدة وهي لا زالت على رأس عملها”

 آخر رسالة كتبتها شيرين أبو عاقلة وأرسلتها لزملاءها في الجزيرة  كانت في تمام الساعة السادسة صباحا قالت فيها:” قوات الاحتلال تقتحم جنين وتحاصر منزلا في حي الجبريات، وفي الطريق إلى هناك أوافيكم بخبر فور اتضاح الصورة “

لكن شيرين لم تقف أمام الكاميرا كما وعدتهم  لتقول جملتها الشهيرة ” شيرين أبو عاقلة – رام الله فلسطين” فهي اليوم كانت الخبر.