لأنك تموت موتاً

لأنك تموت موتاً

لأنك تموت موتاً

لأنك تموت موتاً

بقلم يحي خليفه

ماذا لو منحت الخلود! تذهب لتبتاع بعض الملابس. وسط المرايا المتقابلة تقف. تنظر لصورتك المنعكسة في المرآة فتشعر بشيء مريب. تدقق النظر. حقاً إنه أنت، ولكن ليس كما تعرف نفسك، وإنما أنت من منظور آخر. خلفي وجانبي. تبدو لك هيئتك كما لم تعرفها أبداً. اعتدت أن ترى صورتك في المرآة تقابلك. أما تلك الصورة فهي لك وليست لك. يمكنك بقليل من سعة الخيال أن تتخيل أنَّ هذا هو أنت كما يراك الآخرون. أو كما ستبدو من منظور جانبي وقت. وقت الموت!

تجلس في الحديقة تتأمل المسافات. الليل فوقك والنسيم يعابثك. والطيور نائمة. وتفكر لماذا تضايقك فكرة الموت إلى هذا الحد؟ تسرب الوعى منك، غيابك عن الوجود، تحلّلك، فكرة أنك مخلوق فانٍ، هل تريد حقاً الخلود؟

تصور أن تحيا إلى الأبد. وحدك تعيش متفرداً والكل من حولك يموت. تشعر بالغربة. بالخوف، بالتعب. شيء يذكرك بالتماثيل المخيفة في واجهة المحل. تعيسة، خالدة، بائسة. لا تريد أن تكون واحداً منها. أليس كذلك؟ هذا لا يروق لك.

فليكن. طلباتك أوامر يا أيمن بك. أنت زبون والزبون يجب إرضاؤه. هذا شعارنا، وهذه هي أول مرة تزور فيها المحل. لذلك يجب إرضاؤك.

من تلك اللحظة لن يموت أحد، لا أنت ولا غيرك، اتفقنا؟ مبسوط؟ المهم يا سيدي هل يروق لك لون هذا القميص أم تريد مشاهدة ألوان أخرى؟ لا موت! لقد مُنحت الخلود لست وحدك من ظفر به ولكن الجميع. لن تموت زهرة ولا شجرة، ولا عصفورة ولا قط ولا إنسان.

هو صباح متكرر إلى ما لا نهاية. تستيقظ في الصباح لتصنع نفس الأشياء. تتجمد الملامح وتذكرك بملامحك التي رأيتها في المرايا المتقاطعة. تذكرت التماثيل مرة أخرى، لذلك أجبرت نفسك على الضحك لتكسو الابتسامة وجهك بشيء من ود، شيء من إنسانية، شيء من التعبير.

المهم. لا تتوقع حباً في هذه الحالة يا سيدي. لقد وُجد الحب في تلك اللحظة التي وجد فيها الموت. تحدته الكائنات الفانية بأرق ما في الوجود: الحب! فكان الغزل، وكان الشعر، وكانت الألوان! سيكون هناك الكثير من السأم. غداً كأمس، أما اليوم فرحلة طويلة تقطعها الشمس. وتقطعها معها.

وكما ترى فإن خامة هذا القميص ممتازة. صحيح ثمنه مرتفع لكن إنساناً خالداً مثلك ينبغي ألا يُقلقه المال. أمامك وقت طويل جداً لتجمع منه ما تشاء. ثم إن المال نفسه اختراع كائنات فانية. والأرض ملك الخالدين. أقترح عليك هذه الخامة، فلونها لا يتغير مع الغسيل. أنت زبون ويجب إرضاؤك. هل أنا بحاجة لأكرر هذا في الدقيقة الواحدة ألف مرة؟!

تتساءل: هل يراك الناس حقاً كما ترى نفسك خلال المرآة، ولماذا تبدو ملامحك سمجة ومفتعلة؟ وهل هذا هو أنا حقاً، أم مخلوق قاس يعابثني وينتحل وجهي؟! تُكوّم الملابس فوق الملابس، ووسط نظرات البائع المندهش تمضي. تمضي. تمضي.

لأنك تموت موتاً
يحي خليفه