مقالات

البرنامج الرئاسي من المحاكاة إلى الحكي

 
 

البرنامج الرئاسي من المحاكاة إلى الحكي 

يحي خليفه 

يهدف البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، إلى إنشاء قاعدة قوية وغنية من الكفاءات الشبابية كى تكون مؤهلة للعمل السياسي، والإداري، والمجتمعي بالدولة. وذلك من خلال، إطلاعها على أحدث نظريات الإدارة والتخطيط العلمي والعملي، وزيادة قدرتها على تطبيق الأساليب الحديثة لمواجهة المشكلات التى تحيط بالدولة المصرية، والمحاكاة أسلوب معروف للفلاسفة والكُـتّاب في الحضارات القديمة فيما قبل الميلاد.. وقد جرى استخدامها لاحقاً لدى العديد من أجهزة المخابرات حول العالم ومنها أمريكا فيما قرأنا في الماضي عن استخدامهم لشخصيات شديدة الشبه بالحكام والرؤساء والملوك حول العالم.. مع وضعهم في ظروف مشابهة تماماً لما يتعرض له الحكام الحقيقيون في عملهم ثم وضع أجهزة قياس ومحللين استرتيچيين ونفسيين لقياس ردود أفعال هؤلاء القادة وتوجهاتهم في الظروف المختلفة ومن ثم يمكن التنبؤ بما سيتخذونه من قرارات وما سيترتب على أفعالهم من تحركات لخدمة المصالح الأمريكية في العالم.

أما الحكي فهو حديث الفرد للمجموعة في شكل سردي.. وهو عكس المحاكاة تماماً وقد قرأنا مؤخراً في برنامج تأهيل الشباب عن محاكاة الحكومة المصرية وهي لا شك تعتبر بشرة خير وأملا بمستقبل مزدهر اضطلع بها الرئيس السيسي لدفع مجموعة من الشباب يصل عددهم إلى ٥٠٠ فتاة وشاب في المرحلة الأولى لكي يتعرفوا على ما تقوم به الحكومة من جهود لحل مشكلات مستعصية في مصر وهو أمر ليس بالهين.. ومع ما تفضل به كل المشاركين من إلقاء محاضرات أشبه بالدورات التثقيفية إلا أن هذا ليس المحاكاة التي شرحتها كتب التاريخ والفلسفة وليس المحاكاة التي سمعنا عنها في برامج المخابرات الأمريكية.. ولكن محاكاة الحكومة المصرية تبدأ من وضع أحد هؤلاء الشباب في موضع الرئيس أو الوزير ومنحه المعلومات اللازمة والكاملة عن موضوع محدد وتقديم دراسة عن الموضوع وحساب ما سيترتب عنه من ردود أفعال على كافة المستويات ثم يُطلب منه اتخاذ القرار المناسب أو الأكثر تحقيقاً للأهداف.. هاهنا يمكن أن نطلق عليه محاكاة.. فهل سيضع السيسي شاباً دون الثلاثين مكانه ليتخذ قراراً مدروساً من كافة الجهات؟ لا أعتقد.. والأفضل أن نسميها محاضرات تثقيفية لشباب البرنامج الرئاسي لأن المحاكاة ليست صورة المقر على الحائط أو حضور المسؤول للحكي عن مشكلات وزارته أو تاريخ الصراع البشري وقيام المتدربين بعمليات عصف ذهني للخروج بتوصيات شفوية للاستهلاك دون سلطة أو صلاحية للتنفيذ.

واذا افترضنا أنه سيتم وضع أحد هؤلاء الشباب في موضع أحد الوزراء فأي وزارة ستبدأ تلك المبادرة؟ وأي الموضوعات ستكون على رأس قائمة القرارات الحرجة ..لاشك أن القضايا المطروحة مهمة كما وردت في البيان: «تجديد الخطاب الدينى وتنمية محافظات الصعيد ومحور قناة السويس وتطوير عمل وزارة الشباب والرياضة (نموذج محاكاة حكومة)، والطاقة المتجددة، وتطوير الصناعة المصرية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ورؤية متكاملة حول المنظومة الصحية وصناعة الدواء وعمل منظمات المجتمع المدنى وآلية الاستفادة منها وتطوير منظومة التعليم في مصر وتأهيل الشباب للمناصب القيادية في إطار إعلان الرئاسة ٢٠١٦ عامًا للشباب». وفي هذا الصدد تبرز عدة تساؤلات أهمها لماذا أتت قضية التعليم في ذيل القائمة مع أن الخبراء يؤكدون أنها أهم القضايا.. وكيف سيتم محاكاة شاومينج أتت قضية تجديد الخطاب الديني على رأس القائمة وفق البيان الصحفي المنشور بالتزامن مع حبس كل من يقترب من هذا الملف وبدلاً من عقد مؤتمرات لتجديد الخطاب الديني يتم عقد مؤتمر لتجديد الخطاب الثقافي.

وبالنسبة «لتأثر المسؤولين بردود فعل الرأي العام مما يؤخر اتخاذ القرار» فهو أمر معكوس وغير صحيح لأن الإعلام يقول والكتّاب يكتبون ولا مسؤول يلتفت أو يهتم.. أما الشعب فتحركه النتائج على أرض الواقع أكثر من أي شيء.. فإذا لم يرفع (الباشمهندس) السمكري أجرة ربط مسمار رفرف السيارة الفيات مصرية الصنع وإذا لم يضاعف (الدكتور) السبّاك أجرة تسليك البالوعة بسبب ارتفاع الدولار ومن ثم ارتفاع أسعار السلع؛ فلن يهتم المواطن بما يقال في الإعلام أو يُكتب في الصحف.

وأخيراً فيما يخص تطوير عمل وزارة الشباب أو الحكومة.. يجدر التساؤل الواضح والمباشر.. كم شاباً مؤهلاً بالفعل تولّى منصباً قيادياً في الحكومة المصرية في عام الشباب الذي تجاوزنا منتصفه؟ علماً بأن تعريف الأمم المتحدة الرسمي للشباب بأنهم الفئة العمرية التي تتراوح بين ١٥ و٢٤ عاماً!! وفي الوقت نفسه تحرص الترشيحات الرسمية للوظائف القيادية على ترشيح من وصل لسن ٤٥ سنة فما زاد!! فعن أي شباب نتحدث هنا؟

أعتقد أن قضية الكفاءات والخبرات في مقابل الثقة والخضوع هي الإشكالية التي تتسبب في الكثير من المشكلات الحالية فاختيار المسؤول ليس بعمره ولا بشكله ولكن بخبراته ومؤهلاته وبتاريخه إذا كان صاحب إنجاز حقيقي ما.. وعدم الاكتفاء بشعارات من نوعية ،من ليس منّا فلا مكان له بيننا.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى