قصة حقيقية عن نعمة الرضا .. يرويها فضيلة الشيخ /محمد متولي الشعراوي رحمه الله

كتب / جمال أحمد حسن
يقول : كنتُ عائداً إلى بيتي قبل المغرب بساعة في يوم من أيّام رمضان ،
فاستوقفني رجلٌ فقيرٌ من الذين يتردّدون على درسي في المسجد تردُّدَ الزائر ، فسلّم عليّ بلهفةٍ أدمعت عينيَّ ، وقال لي:
أستحلفك بوجه الله أن تفطر عندي اليوم ؟
فقلتُ له : يا أخي، الأهل بانتظاري وظروفي لا تسمح ، ولكن !
يقول الشيخ : وجدتُ نفسي أتبعه إلى بيته الذي لا أعرف مكانه ، ولا أعرف ظرفه في هذا الوقت الحرج من موعد الإفطار .
يقول : وصلنا إلى بيته ، فإذا هو غرفةٌ ومطبخٌ وفناءٌ صغير مكشوفٌ على سطحٍ اشتراه من أصحابه ، وله مدخلٌ ودرجٌ خاص من الخشب لا يحتمل صعود شخصين ، فخشباته تستغيثُ من وهَنٍ خلَّفَهُ بها الفقر والقِدَم .
كانت السعادة تملأ قلب هذا الرجل ، وعبارات الشكر والإمتنان تتدفّق من شفتيه ، وهو يقول لي : أنظر يا سيدي ، هذا البيت ملكي (والملك لله)
، لا أحد في الدنيا له عندي قرش ،
أنظر يا سيدي ، الشمس تشرق على غرفتي الصبح ، وتغرُب من الجهة الثانية ،
وزوجتي الله يرضى عليها تجلس على ذلك الشبّاك وتدعو الله لي ،
والله يا سيدي كأني أسكن في الجنّة .
يتابع الشيخ ويقول :
كل هذا يجري على مسامعي ، وأنا أصعد على الدرج بحذر خشية السقوط ، لحظات ووصلنا إلى الغرفة فجلست ، وذهب الرجل إلى زوجته ، وسمعت صوتاً خافتاً من صاحب الدار يقول لزوجته : جهزي الفطور ، الشيخ سيفطر عندنا اليوم ،
وصوت زوجته تقول له : والله ، ما عندنا أكل غير الفول ، ولم يبق على أذان المغرب إلاّ نصف ساعة ، ولا شيئ عندنا نطبخه ، ولو كان عندنا فالوقت لا يكفي !
يقول الشيخ : سمعت هذا الحوار كله ، فلما جاء صاحب الدار ، قلت له : يا أخي ، لي عندك شرط ، أنا أفطر مع أذان المغرب على ماء ومعي التمر ، ولا آكل إلاّ بعد نصف ساعة من الأذان ، بعد ما أهضم التمر والماء ، وأصلّي وأُنهي وِرْدي اليومي ، ولا آكل إلاّ فول مدمّس وبطاطس .
فقال الرجل : أمرك يا سيدي .
فقال الشيخ : إذاً دعني الآن لأختلي مع ربّي ،
وتمّ ما أراده الشيخ ، وأفطر عنده ثم غادر .
يقول الشيخ : لقد اخترت البطاطس لأنها زادُ الفقراء ، وأحسبها عندهم ، وقد خرجتُ وكلّي سعادةٌ وبهجة ، وقد أحببتُ الدنيا من لسان هذا الرجل الذي ما نزلت من فمه عباراتُ الثناء والحمد على نِعم الله ، وعلى هذا البيت الذي ملّكَهُ الله إيّاه ، وهذه الحياة الجميلة التي يتغنّى بها .
يقول الشيخ :
ثم دُعيت بعد أيام مع مجموعةٍ من الوجهاء على الإفطار عند أحد التجّار الأثرياء ، وكان من الذين أنعم الله عليهم بالمال والجاه والأولاد والحسب والنسب
، وكانت الدعوة في مزرعةٍ فخمة فيها مما لذّ وطاب ، يتوسّطها منزل أقرب ما يكون للقصر ، يطلُّ على مسبحٍ ومرْبَط خيل ، فيه نوادر الخيل الأصيلة.
يقول الشيخ: أفطرنا عند الرجل وأثناء المغادرة ، انفرد صاحب الدعوةِ بي ، وشكى لي من ضيق الحياة ، وهموم التجارة ، ومتاعب الأولاد ، وسوء طباع زوجته ، وطمع من حوله به ، وكثرة المصاريف لإرضاء الجميع ، وسأَمِه من هذه الحياة ، ورغبته بالموت ليتخلّص من هذه الهموم .
يقول الشيخ : والله ، من باب منزل صاحب الدعوة ، إلى باب سيارتي ، سَوَّدَ هذا الرجل الدنيا في عيوني، وأطبق عليَّ صدري وأنفاسي .
فنظرتُ إلى السماء بعد أن ركبتُ بسيّارتي وأنا أقول في قلبي :
( الحمد لله على نعمةِ الرضا )
فليست السعادةُ بكثيرٍ ندفع ثمنه ..
ولكن السعادةُ حُسنُ صِلَةٍ بالله ..
ورضىً بما قسم الله عزّ وجل ..
صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم
[ الشيخ محمد متولي الشعراوي ]