جرس الفسحة

جرس الفسحة

جرس الفسحة 

يحي خليفه 

أي حديث أو مجرد كلمة عن المدرسة أو التعليم لابد أن تتردد فورا جملة العبقري الراحل صلاح جاهين «جرس الفسحة ضرب ضرب.. صوته كله طرب طرب.. الحصة للقراية والفسحة للهواية.. وللنشاط المدرسي.. جرس الفسحة ضرب ضرب».. وصار هذا السطر هو فلسفة العلم ومنهج التعليم الأول منذ نعومة أظافرنا، فالمدرس داخل الفصل يشرح ويفسر ويكرر المعلومة أمام التلاميذ لتثبت في العقول ويسهل فهمها.. والفناء مفتوح للبنين والبنات لتفريغ الطاقة واللهو والمرح وممارسة الرياضة والتفاعل بين الجميع.. وحصص الأنشطة تستوعب المواهب وتشحذ القدرات وتكشف الملكات.. وهذه القيم والمبادئ رسمها قلم جاهين في أوبريت مصغر لا يتجاوز بضع دقائق معدودات على الشاشة الصغيرة، ولكنها كانت كفيلة بصناعة أجيال وحمايتها من التخلف والجهل وغياب الوعي.

وفلسفة جاهين الخالدة لم يهضمها جهابذة ورجال التربية والتعليم في مصر المحروسة منذ عقود طويلة مضت، واتجهت القرارات العليا على مدار عمر الوزارة نحو “قشور” العملية التعليمية دون جوهرها ولُب أزمتها، فانتشرت روشتات العلاج الوهمية حول المناهج ومحتوى الكتب ومناقشة كم المعلومات المطروحة وكيفية توفيرها قبل «نهاية الترم» لكل طالب بصرف النظر عن أسلوب التدريس أو مدى تأثير هذه المعلومات على فكر وسلوك وثقافة النشأ.. حتى جاء التعديل الأخير الذي رسمه لنا الوزير طارق شوقي لتسترد اللغة العربية كرامتها وهيبتها، بعد أن طغت ظاهرة المدارس التجريبية والناشونال والإنترناشونال على المنظومة التعليمية وغطت على «مدارس الفقراء» علما بأن العلماء والنابغين وعباقرة البلد خرجوا من رحم التعليم الحكومي في أكثر ظروف الحياة صعوبة وإرهاقا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا!!

ولكن.. هل ما قدمه معالى الوزير- بعد استشارة وتوصيات مئات المتخصصين والخبراء- يحفظ للغتنا مكانتها كما نحلم ونرجو؟ وهل طريقة تعليم دروس الرياضيات والعلوم وتنقيتها من المصطلحات الإنجليزية في مرحلة عمرية معينة ستفي بالغرض ويمنح اللغة العربية القوة المطلوبة وسط فوضى «الفرنكوفونية»؟.. ومعذرة.. هل بناء الإنسان المصري منذ الطفولة وحتى المراهقة مرهون بنظام يختزل تدريس اللغة العربية في المصطلحات ولا يرتقي إلى وضع آلية عملية لتعلمها وهضمها والنهوض بها؟!

شكرا معالى الوزير.. حاولت واجتهدت.. ويبقي في تقديري أن قضية التعليم تحتاج إلى رؤية أكثر شمولا وسعة في الأفق ممن يحيطون بكرسي الوزارة، ليكون التركيز الأكبر على مضاعفة حصص القراءة على أيدى مدرسي اللغة العربية في كل المدارس وتكثيف ساعات التواجد في المكتبات وتشجيع الطلبة على الاطلاع والمعرفة وتنظيم ندوات ومسابقات للمناقشة والمنافسة.. وقد يتطور الأمر إلى أن يقرأ كل طالب كتابا واحدا في اليوم ثم يكشف لأستاذة عما استفادة من هذا الكتاب وكيف تعلم منه على أن يُمنح الطلبة درجات إضافية نظير إقبالهم على القراءة ومكافأة لهم على التسابق في العلم.

وما ينطبق على اللغة يسرى أيضا على الأنشطة والمهارات الخاصة لنحصل على جيل من الأسوياء والمبدعين في كل مجال، وصولا إلى حصص الدين وحفظ القرآن والإصرار على إدراجها ضمن المواد الإجبارية، أسوة بالعلوم والحساب والدراسات الاجتماعية، فالدين هو مستودع اللغة وأفضل وعاء لها، فضلا عن أنه مصدر القيم والمفاهيم السليمة للحياة ومن بوابة العقيدة يستقيم السلوك ويتربى وعى وضمير الصغير على طريق الصدق والعمل والأخلاق.

لا شك أن تفكير العبد لله قد خطر بشكل أو بآخر على من يفوقني دراية وخبرة بالعملية التعليمية ومواجعها، وما استوقفني هو أنني لم أقرأ شيئا عما فكرت به في خطط وتصريحات أي وزير ولم أصادف مؤتمرا صحفيا كبيرا يخاطب فيه مسؤول التربية والتعليم الرأي العام في شفافية وإسهاب ليزيل أي غموض عن قراراته أو إجراءاته لإصلاح ما تبقي من تعليم في مصرنا الغالية.