المستشار صلاح رسلان يكتب سلسلة المشاهير والاعلام

 

 

بقلم المستشار صلاح رسلان
متابعة إعلامية امل كمال

(أم اناس بنت عوف بن محلم الشيبانى أم ملوك اليمن السبعة )
(ما وراءك يا عصام )
جاء فى العقد الفريد لأحمد بن عبدربه الأندلسى أن أول من قال ما وراءك يا عصام هو الحرث بن عمرو ملك كندة وذلك أنه لما بلغه جمال أم اناس ابنة عوف بن محلم الشيباني وكمالها وقوة عقلها، دعا امرأة من كندة، يقال لها عصام، ذات عقل ولسان وأدب وبيان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف فمضت حتى انتهت إلى أمها، وهي أمامة ابنة الحرث، فأعلمتها ما قدمت له، فأرسلت أمامة إلى ابنتها وقالت: أي بنية، هذه خالتك أتتك لتنظر إليك فلا تستري عنها شيئاً إن أرادت النظر من وجه أوخلق، وناطقيها إن استنطقتك فدخلت إليها فنظرت إلى ما لم تر قط مثله، فخرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع. فأرسلتها مثلاً. ثم انطلقت إلى الحرث،فلما رآها مقبلة، قال لها: ما رواءك يا عصام؟ قالت: صرح المخض عن الزبد، رأيت جبهة كالمرآة المصقولة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل، إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت: عناقيد جلاها الوابل؛ وحاجبين كأنما خطا بقلم، أو سودا بحمم، تقوسا على مثل عين ظبية عبهرة، بينهما أنف كحد السيف الصنيع، حفت به وجنتان كالأرجوان، في بياض كالجمان، شق فيه فم كالخاتم، لذيذ المبسم، فيه ثنايا غر ذات أشر،تقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان، بعقل وافر، وجواب حاضر، تلتقي فيه شفتان حمراوان،تحلبان ريقاً كالشهد إذا دلك، في رقبة بيضاء كالفضة، ركبت في صدر كصدر تمثال دمية؛ وعضدان مدمجان يتصل بهما ذراعان ليس فيهما عظم يمس ولا عرق يجس ،ركبت فيهما كفان دقيق قصَبـَهما، ليـِّن عصبهما، تعقد إن شئت منها الأنامل، نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين، يخرقان عليها ثيابها، تحت ذلك بطن طـُوِيَ طـَيَّ القباطي المُـدْمجة، كسر عكناً كالقراطيس المدرجة، تحيط بتلك العكن سرة كالمدهن المجلو؛خلف ذلك ظهر فيه كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة الله لانبتر.
لها كِفـْل يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعـدت، كأنه دِعـْصُ الرمل، لبــَّدَه سقوط الطل، يحمله فخذان لـُفـَّا كأنما قـُلـِّبا على نضد جمان، تحتهما ساقان خدلتان كالبرديتين، وُشـِّيـَتا بشعر أسود كأنه حـَلـَقُ الزرَد، يحمل ذلك قدمان كحذو اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما ! فأرسل الملك إلى أبيها فخطبها فزوجها إياه وبعث بصداقها، فجهزت. فلما أرادوا أن يحملوها إلى زوجها، قالت لها أمها: أي بنية ! إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغني أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال أي بنية، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه رقيباً ومليكاً فكوني له أمة يكن لك عبداً وشيكاً يا بنية، احملي عني عشر خصال، تكن لك ذخراً وذكراً: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضع أنفه،فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود؛ والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع مـُلـْهِبة، وتنغيص النوم مـُغــْضـِبة؛والاحتفاظ ببيته وماله والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقرير، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير ولا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً؛ فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره، أوغـَـرْت صدره ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان تــَرِحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير وكوني أشد ما تكونين له إعظاماً يكن أشد ما يكون لك إكراماً؛ وأشد ما تكونين له موافقة، يكون أطول ما تكونين له مرافقة واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت؛ والله يخير لك. فحملت فسلمت إليه فعظمت موقعها منه، وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.