مقالات

“روسيا – أوروبا: الصبر الاستراتيچي”

دكتور سَــــيْد غُنــــيْم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
أستاذ زائر بالناتو والأكاديمية العسكرية

الحرب الروسية الأوكرانية تطول، وهناك آراء ترى أن روسيا هي من يسعى لإطالة زمن الحرب، خاصةً مع ما أُعلن بشأن قدرة روسيا على احتواء العقوبات الواقعة عليها، مع عدم قدرة أوروبا والولايات المتحدة والعالم على تحمل الوقع السلبي العكسي لآثار تلك العقوبات، من جانب آخر ، عدم قدرة أوروبا على تحمل منع الغاز الروسي عنها خاصةً خلال الشتاء القادم، الأمر الذي يرونه سيؤدي لانقسام شديد أوروبي/ أوروبي، وأوروبي/ أمريكي، مما يجبر الجميع على التراجع عن دعم أوكرانيا وانتهاء الحرب لصالح روسيا.

إلا أن هناك تساؤلات واعتبارات أخرى شديدة الأهمية ربما تحتاج عناية من يعتقد في هذا الراي، والتى أراها عن قرب، ومنها الآتي:

أولاً: من ناحية روسيا:

١- بالنظر للقدرات الاقتصادية والوضع السياسي الداخلي الروسي والقدرة على التعبئة العامة للقوات لحرب شاملة وليس عملية محدودة ضد أوكرانيا، هل مهيئين بشكل حقيقي وبما يمكن روسيا من إطالة زمن الحرب؟
الإجابة طبقاً للمعلومات المؤكدة: لا.

٢- لأي مدى دول روسيا الإتحادية الصغيرة كالشيشان وأوسيتيا الجنوبية وغيرهما قادرين على الإمداد بالرجال في هذه الحرب التي لم يتم تقدير موقفها الاستراتيچي بشكل دقيق، دون تحول بوتين إلى التعبئة العامة للحرب بقوات من الشعب الروسي نفسه؟ الأمر الذي سيواجه عاصفة مضادة قوية، لأسباب كثيرة في رأيي.
الإجابة: كاد كيلهم أن يفضى.

٣- لأي مدى الوضع السياسي الداخلي والاقتصادي والعسكري لبيلاروسيا قادر على تحمل حرب جارية على حدوده؟
الإجابة: تشير تقارير متنوعة المصادر أن الرئيس البيلاروسي ليشينكو في وضع سياسي حرج، وهناك دفع لثورات جديدة من الداخل ضده.

لن اتحدث عن التأثير الحقيقي للعقوبات الواقعة على روسيا، لأنها في غير مجال تخصصي، وإن كنت ادعوا لقراءة ما كتبته بعنوان “الضغط والتأثير والمردود” حيث أتوقع أن هناك خطة جارية حالياً بالفعل مُستغلة ما وراءه:
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2650197438447050&id=100003704590759

ثانياً: من ناحية أوروبا:

١- حالياً، دول أوروبا التي تعتمد على الغاز الروسي بنسبة تزيد عن ٤٠٪ من موارد الغاز لها كألمانيا وبولندا تسير في خطط تحول محكمة وعنيدة لعدم الاعتماد على الغاز الروسي سواء بإنشاء بنية تحتية للغاز المسال، وبإيجاد مصادر أخرى للغاز ومصادر بديلة للطاقة، بجانب تخفيض جذري لمستويات استخدام الطاقة المعتمدة على الغاز بشكل رئيسي.

٢- بني بوتين متغيرات خطته الحالية على الربط بين (الآثار العكسية الناجمة عن العقوبات الواقعة عليه + استخدام الغاز كورقة ضغط ضد أوروبا) وبين الموقف العسكري على الأرض، في محاولة واضحة لاستغلال البندين بين القوسين في إرغام دول أوروبا التي تعتمد على روسيا كلية في استيراد الغاز على أن يركعوا لموسكو، وأن يتوقفوا عن دعم أوكرانيا في شتى المجالات، ومن جانب آخر، أن تتأثر سلبياً العلاقات الأوروبية الأمريكية من منطلق أن أمريكا هي من يهمها استمرار الحرب بإرادة منفردة.

إلا أن بوتين ربما تناسى إرادتين، وهما إرادة أوكرانيا في استمرار الحرب لآخر جندي أوكراني وآخر جندي روسي على حساب أعداء روسيا وهم كُثر، وإرادة أوروبا بالكامل تقريباً في توقف الإعتماد على الغاز الروسي ولو بالتدريج وأهمها ألمانيا، أما بولندا ودول البلطيق وغيرها فقد قررت وقف الاعتماد على الغاز الروسي فوراً مهما كلفها الأمر.. ومن ثم، فحسبة بوتين هذه ليست دقيقة بالقدر الكافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى