مقالات

الشاذلي مهندس العبور والعقل المدبر لانتصار أكتوبر العظيم

 

بقلم السعيد رمضان ياسين

شغل الفريق سعد الدين الشاذلي، منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في الفترة ما بين 16 مايو 1971 وحتى 13 ديسمبر 1973.
ولد الفريق الشاذلى بقرية شبراتنا مركز بسيون في محافظة الغربية في دلتا مصر وبحسب وصف الكثير من المعاصرين لنصر أكتوبر العظيم أنه كان الرأس المدبر للهجوم المصري الناجح على خط بارليف في حرب أكتوبر عام 1973، كان الشاذلى منذ تخرجه من الكلية الحربية عام 1948 ضابط بدرجة مقاتل فقد وجد نفسه في حرب فلسطين وهو فى بداية حياته العسكريه واستطاع وهو الضابط الصغير (مواليد أبريل 1922) أن يسقط طائرة إسرائيلية بمدفعه الرشاش في وقت كانت إسرائيل تملك عدد قليل من الطائرات المقاتلة،
وفي عام 1953 سافر في بعثة تدريبية بأمريكا، فكان أول ضابط مصري يحصل على فرقة رينجرز من مدرسة المشاة الأمريكية، وبعد عودته أسهم في تأسيس سلاح المظلات، ثم قاد وحدات المظليين المصريين بالكونجو عام 1966، وبعد أن عاد إلى مصر وفى نكسة 1967 أثبت الشاذلي وجوده مرة أخرى وأثبت أنه قائد محنك عندما كان يقود وحدة من القوات المصرية الخاصة المعروفة بمجموعة الشاذلي في مهمة لحراسة وسط سيناء ووسط أجواء الهزيمة وانقطاع الاتصالات مع القيادة المصرية وكنتيجة لفقدان الاتصال بين الشاذلي وبين قيادة الجيش في سيناء، فقد اتخذ الشاذلي قرارا جريئا فعبر بقواته الحدود الدولية قبل غروب يوم 5 يونيو وتمركز بقواته داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بحوالي خمسة كيلومترات وبقي هناك يومين إلى أن تم الاتصال بالقيادة العامة المصرية التي أصدرت له الأوامر بالانسحاب فورا فاستجاب لتلك الأوامر وبدأ انسحابه ليلا وقبل غروب يوم 8 يونيو في ظروف غاية في الصعوبة، باعتباره كان يسير في أرض يسيطر عليها العدو تمامًا عليها، ومن دون أي دعم جوي، وبالحد الأدنى من المؤن، استطاع بحرفية نادرة أن يقطع أراضي سيناء كاملة من الشرق إلى الشط الغربي لقناة السويس (حوالي 200 كم) وقد نجح في العودة بقواته ومعداته إلى الجيش المصري سالما، وتفادى النيران الإسرائيلية، وتكبد خسائر بنسبة 10% إلى 20% فكان آخر قائد مصري ينسحب بقواته من سيناء بعد هذه الموقعه اكتسب سمعة كبيرة في صفوف الجيش المصري، فتم تعيينه قائدًا للقوات الخاصة والصاعقة والمظلات، وقد كانت أول وآخر مرة قي التاريخ المصري يتم فيها ضم قوات المظلات وقوات الصاعقة إلى قوة موحدة وسميت وقتها القوات الخاصة وفي 16 مايو 1971 وبعد يوم واحد من إطاحة الرئيس السادات بأقطاب النظام الناصري، فيما سماه بـثورة التصحيح عين الشاذلي رئيسًا للأركان بالقوات المسلحة المصرية، باعتبار أنه لم يكن يدين بالولاء إلا لشرف الجندية، فلم يكن محسوبًا على أي من المتصارعين على الساحة السياسية المصرية آنذاك.
وعلق الفريق الشاذلي وقتها على ذلك قائلا: كان هذا نتيجة ثقة الرئيس السادات بي وبإمكاناتي، لأنني لم أكن الأقدم والمؤهل من الناحية الشكلية لقيادة هذا المنصب، ولكن ثقته في قدراتي جعلته يستدعيني، ويتخطى حوالي أربعين لواء من اللواءات الأقدم مني في هذا المنصب ويقول الشاذلي عن الخطة التي وضعها للهجوم على إسرائيل واقتحام قناة السويس التي سماها «المآذن العالية»: إن ضعف الدفاع الجوي يمنعنا من أن نقوم بعملية هجومية كبيرة ولكن من قال إننا نريد أن نقوم بعملية هجومية كبيرة ففي استطاعتنا أن نقوم بعملية محدودة، بحيث نعبر القناة وندمر خط بارليف ونحتل من 10 إلى 12 كيلومترا شرق القناة.
وعن العبور وتدمير خط بارليف قال: كان بكل المقاييس عملية مستحيلة، حتى إن موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي قال: لكي تستطيع مصر عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، فإنه يلزم تدعيمها بسلاحي المهندسين الروسي والأمريكي معا.
درس الشاذلي أيضا إسرائيل دارسة وافية ليعرف نقاط قوتها وضعفها ليجرها إلى قتال في ظروف غير مناسبة لها وكان العبور وتحطيم خط بارليف بالنسبة له مرحلة من مراحل الحرب تناسب ما لديه من أسلحة، لأنه كان يعتمد على حرب طويلة المدى يكون فيها مقتل إسرائيل التي لا تستطيع أن تحتمل حربا طويلة ولا تعبئة طويلة لقواتها، لأن هذا سيرهق اقتصادها ويصيب خدماتها بالشلل وكانت فلسفة هذه الخطة تقوم على أن لإسرائيل مقتلين: المقتل الأول هو عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية نظرًا إلى قلة عدد أفرادها. والمقتل الثاني هو إطالة أمد الحرب، فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة التي تنتهي خلال أربعة أسابيع أو ستة أسابيع على الأكثر؛ لأنها خلال هذه الفترة تقوم بتعبئة 18% من الشعب الإسرائيلي وهذه نسبة عالية جدا وفي يوم 6 أكتوبر 1973 في الساعة 14:5 (الثانية وخمس دقائق ظهرًا) شن الجيشان المصري والسوري هجومًا كاسحًا على إسرائيل، بطول الجبهتين، ونفذ الجيش المصري خطة «المآذن العالية» التي وضعها الفريق الشاذلي بنجاح غير متوقع، لدرجة أن الشاذلي يقول في كتابه «مذكرات حرب أكتوبر»: «في أول 24 ساعة قتال لم يصدر من القيادة العامة أي أمر لأي وحدة فرعية فقواتنا كانت تؤدي مهامها بمنتهى الكفاءة والسهولة واليسر كأنها تؤدي طابور تدريب تكتيكي».
الشاذلي عارض بشدة خطة تطوير الهجوم فقد أرسلت القيادة العسكرية السورية مندوبًا للقيادة الموحدة للجبهتين التي كان يقودها المشير أحمد إسماعيل تطلب زيادة الضغط على القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس لتخفيف الضغط على جبهة الجولان، فطلب الرئيس السادات من إسماعيل تطوير الهجوم شرقًا لتخفيف الضغط على سوريا، فأصدر إسماعيل أوامره بذلك على أن يتم التطوير صباح 12 أكتوبر.
لكن الفريق الشاذلي عارض الخطة بشدة قائلا إن أي تطوير خارج نطاق الـ12 كيلو التي تقف القوات فيها تحت حماية مظلة الدفاع الجوي، وأي تقدم خارج المظلة معناه أننا نقدم قواتنا هدية للطيران الإسرائيلي ومن المعروف عن الشاذلي أنه مقدام وشجاع عنيد وهجومي ولذلك قالت كثير من وسائل الإعلام العالمية إن الشاذلي كان مع تطوير الهجوم اعتمادا على شخصيته وصفاته.
وعلق الشاذلي على ذلك قائلا: إنني لا أربط بين هذه الصفات وبين قرار تطوير الحرب إلى الشرق.. أنا لا أستطيع أن أقامر بمستقبل بلادي. كنت دائما ضد تطوير الهجوم نحو الشرق سواء في مرحلة التخطيط أو مرحلة الحرب، وقلت هذا أمام الجميع وموقف الشاذلي هو نفس موقف مونتجومري خلال الحرب العالمية الثانية في معركة علم حلف عام 1942 عندما رفض بحذر إعطاء روميل فرصة للهجوم المضاد وتحويل هزيمته إلى انتصار ولذلك يقول الخبير الأمريكي الكولونيل تربيفور دي يوي: إن أي هجوم مصري في 9 و10 أكتوبر كان سيلقى نفس المصير الذي انتهى إليه هجوم 14 أكتوبر حتى وإن لم يكن سيحسم بنفس الطريقة وهو هنا ينسف أي فكرة للهجوم عموما الذى لم نكن أصلا في حاجة إليه.
ولكن بناء على أوامر تطوير الهجوم شرقًا هاجمت القوات المصرية في قطاع الجيش الثالث الميداني (في اتجاه السويس) بعدد 2 لواء، هما اللواء الحادي عشر (مشاة ميكانيكي) في اتجاه ممر الجدي، واللواء الثالث المدرع في اتجاه ممر «متلا».
وفي قطاع الجيش الثاني الميداني (اتجاه الإسماعيلية) هاجمت الفرقة 21 المدرعة في اتجاه منطقة «الطاسة»، وعلى المحور الشمالي لسيناء هاجم اللواء 15 مدرع في اتجاه «رمانة».
وكان الهجوم غير موفق بالمرة كما توقع الشاذلي، وانتهى بفشل التطوير، مع اختلاف رئيسي، هو أن القوات المصرية خسرت 250 دبابة من قوتها الضاربة الرئيسية في ساعات معدودات من بدء التطوير للتفوق الجوي الإسرائيلي وبنهاية التطوير الذى باء بالفشل أصبحت المبادرة للجانب الإسرائيلي الذى استعد لتنفيذ خطة الهجوم المعدة من قبل والمعروفة باسم «الغزالة» للعبور غرب القناة، وحصار القوات المصرية الموجودة شرقها خاصة أن القوات المدرعة التي قامت بتطوير الهجوم شرقا هي القوات التي كانت مكلفة بحماية الضفة الغربية ومؤخرة القوات المسلحة وبعبورها القنال شرقا وتدمير معظمها في معركة التطوير ورفض الرئيس السادات سحب ما تبقى من تلك القوات مرة أخرى إلى الغرب، أصبح ظهر الجيش المصري مكشوفا غرب القناة فيما عرف بعد ذلك بثغرة الدفرسوار.
واكتشفت طائرة استطلاع أمريكية لم تستطع الدفاعات الجوية المصرية إسقاطها بسبب سرعتها التي بلغت ثلاث مرات سرعة الصوت وارتفاعها الشاهق وجود ثغرة بين الجيش الثالث في السويس والجيش الثاني في الإسماعيلية، وقام الأمريكان بإبلاغ إسرائيل ونجح أرئيل شارون قائد إحدى الفرق المدرعة الإسرائيلية بالعبور إلى غرب القناة من الثغرة بين الجيشين الثاني والثالث، عند منطقة الدفرسوار القريبة من البحيرات المرّة بقوة محدودة ليلة 16 أكتوبر، وصلت إلى 6 ألوية مدرعة، و3 ألوية مشاة مع يوم 22 أكتوبر. واحتل شارون المنطقة ما بين مدينتي الإسماعيلية والسويس، ولم يتمكن من احتلال أي منهما وكبدته القوات المصرية والمقاومة الشعبية خسائر فادحة
وتم تطويق الجيش الثالث بالكامل في السويس، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى طريق السويس القاهرة، ولكنها توقفت لصعوبة الوضع العسكري بالنسبة لها غرب القناة خصوصا بعد فشل الجنرال شارون فى الاستيلاء على الإسماعيلية وفشل الجيش الإسرائيلي في احتلال السويس مما وضع القوات الإسرائيلية غرب القناة في مأزق صعب وجعلها محاصرة بين الموانع الطبيعية والاستنزاف والقلق من الهجوم المصري المضاد الوشيك.
وهنا كانت خطة الشاذلي للقضاء على الثغرة في يوم 17 أكتوبر طالب الفريق الشاذلي بسحب عدد 4 ألوية مدرعة من الشرق إلى الغرب ؛ ليزيد من الخناق على القوات الإسرائيلية الموجودة في الغرب، والقضاء عليها نهائيًّا، علمًا بأن القوات الإسرائيلية يوم 17 أكتوبر كانت لواء مدرع وفرقة مشاة فقط وتوقع الفريق الشاذلي عبور لواء إسرائيلي إضافي ليلا لذا طالب بسحب عدد 4 ألوية مدرعة تحسبا لذلك وأضاف أن القوات المصرية ستقاتل تحت مظلة الدفاع الجوي وبمساعدة الطيران المصري وهو ما يضمن التفوق المصري الكاسح وسيتم تدمير الثغرة تدميرا نهائيا وكأن عاصفة هبت على الثغرة وقضت عليها (بحسب ما وصف الشاذلي)، وهذه الخطة تعتبر من وجهة نظر الشاذلي تطبيقا لمبدأ من مبادئ الحرب الحديثة، وهو «المناورة بالقوات»، علمًا بأن سحب هذه الألوية لن يؤثر مطلقًا على أوضاع فرق المشاة الخمس المتمركزة في الشرق لكن الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل وزير الحربية رفضا هذا الأمر بشدة، بدعوى أن الجنود المصريين لديهم عقدة نفسية من عملية الانسحاب للغرب منذ نكسة 1967 وبالتالي رفضا سحب أي قوات من الشرق للغرب، وهنا وصلت الأمور بينهما وبين الشاذلي إلى مرحلة الخلاف الشديد ورفض السادات الفكرة رغم أنه كان مقتنعا بها في البداية لتدمير الثغرة، لأنه أصبح يسعى إلى حل سياسي، بينما كان الشاذلى يريد حلا عسكريا، المشكلة عند الرئيس السادات أنه كان يخلط بين سحب القوات وانسحابها، فالسحب تعبير عن المناورة وليس انسحابا كما حدث في 67 وكما كان يظن السادات فتدمير الثغرة يوم وقوعها 17 أكتوبر كان يمكن أن يتم من دون خسائر، وحتى يوم 21 أكتوبر كان يمكن القضاء عليها ولو بخسائر أكبر قبل أن يتعرض الجيش الثالث للحصار ويدخل السادات في مساومات مع هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي، ويقول الفريق الشاذلي: «لو أخذت تلك الفرصة لما وقع حصار الجيش الثالث ولا حدثت كامب ديفيد ذاتها أصلا».

بداية الخلاف بين القادة الإسرائيليين يقول الفريق الشاذلي لو التزمنا بالخطة التي وضعت ما وقعت الثغرة على الإطلاق، هذا ما يؤكده الشاذلي القائد العبقري من خلال مذكراته وهو ما أثبتت الأيام صحته يقول الشاذلي: إن القادة الإسرائيليين اختلفوا حول كيفية مواجهة الجيش المصري، منهم من أراد القيام بهجوم مضاد، ومنهم من أراد الانتظار حتى يتوغل الجيش المصري في سيناء ويتم تدميره. وخلال النقاش والخلاف الذي كانت تحضره جولدا مائير ورئيس الأركان إليعازر، وصلتهم إشارة تقول إن المصريين توغلوا في سيناء وأجروا تطويرا لعملية القتال مما منح القادة الإسرائيليين الفرصة لأن يتوقف الخلاف بينهم بسبب هذا الخطأ الجسيم في تطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر.
وعن الخلاف العسكري بين السادات والشاذلي بشأن كيفية تصفية الثغرة يقول أمين هويدي وزير الحربية ورئيس المخابرات العامة المصرية الأسبق في كتابه: (الفرص الضائعة).
عرض الشاذلي على القائد العام ضرورة سحب 4 لواءات مدرعة من الشرق إلى غرب القناة خلال الـ24 ساعة التالية للدخول في معركة ضد قوات العدو، وكان يرى أن هذا الإجراء لا يؤثر على دفاعاتنا شرق القناة ولخطورة الموضوع طالب الشاذلي باستدعاء الرئيس إلى المركز 10 وتم ذلك إلا أن الرئيس اتخذ قراره بعدم سحب أي جندي من الشرق.
في تقديري كان الشاذلي على حق فلقد كان من الضرورى إعادة التوازن إلى الوضع المختل في كل الجبهة، ولم يكن سحب الأربعة لواءات المدرعة وربما أكثر منها يسبب أي خطورة في الشرق في الظروف التي كانت سائدة، فالعدو يركز عملياته في غرب القناة.
وفي 13 ديسمبر 1973 وفي قمة عمله العسكري بعد حرب أكتوبر تم تسريح الفريق الشاذلي من الجيش بواسطة الرئيس أنور السادات وتعيينه سفيرًا لمصر في إنجلترا ثم البرتغال.
لكن لماذا أقال السادات الشاذلي بعد دوره الفذ في حرب أكتوبر تخطيطا وتنفيذا حتى وصفته مجلة تايم الأمريكية يوم 22 أكتوبر بأنه العقل المدبر لعملية عبور القناة الإجابة نسمعها من الخبير في دهاليز السياسة المصرية مصطفي الفقي والذى يقول: أدركت أن نهاية الشاذلي في الحياة العملية أوشكت على النهاية عندما رأيت صورته تتصدر غلافي مجلة بارى ماتش الفرنسية والحوادث العربية باعتباره أول رئيس أركان حرب للقوات العربية المنتصرة وشيء قريب من هذا يؤكده الكاتب الراحل جمال الغيطاني قائلا: عندما زرت الجبهة السورية وبيروت كان الشاذلي تحول إلى بطل قومي تباع صورته بـ3 ليرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى