مقالات

المصلح والصالح

د.صالح العطوان الحيالي

الصالح هو اسم فاعل فعله الثلاثي صلح تقول: صلح، يصلح، صلاحا، فهو صالح. فالصالح هو التقي العابد لله الحريص على فعل الطاعات وترك المحرمات، وعلى هذا قوله تعالى:( ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين) .فصلت ٣٣ .أما مصلح فهو اسم فاعل فعله الرباعي: اصلح، تقول: اصلح، يصلح،اصلاحا، فهو مصلح، والمصالح هو الذي يهتم بغيره ويحرص على اصلاحه، ويقوم بواجب الدعوةوالاصلاح والتغيير.والفرق بين الصالح والمصلح .ان الصالح يصلح نفسه فقط، لكنه ليس شرطا أن يهتم بإصلاح غيره، أما المصلح فهو الذي يصلح نفسه أولا ثم يصلح غيره فهو يعمل في صلاح نفسه وصلاح الآخرين.   

هناك فارق كبير بن الصالح والمصلح. 

فالصالح: هو الذي يصلح من نفسه ويهذبها في السلوك والأفعال والأقوال.الما المصلح: فيتعدى ذلك لغيره. بمعنى آخر. فالصالح صالح في نفسه ولنفسه. أما المصلح فهوصالح في نفسه ويدعو غيره للصلاح والتزام الأخلاق الحسنة في كل شيء من الأفعال والأقوال والممارسات.   

الصالح: هو الذي يقوم بحقوق الله بأداء فرائضه وترك محارمه وأداء حق العباد كأداء الأمانة، والنصح لهم وعدم غشهم ومن بذل السلام ورد السلام وأداء الأمانات ونحو ذلك، هذا هو الصالح. 

والمصلح هو الذي يتولى إصلاح الناس ويتولى توجيههم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والأخذ على يد السفيه ونحو ذلك، فهو صالح مصلح يتقي الله في نفسه ويجتهد في إصلاح غيره فهذا صالح مصلح.

الكثير من الناس يحبون الانسان الصالح ويكرهونه عندما يكون مصلحا … فتجدهم يحبون الناس الصالحين ويعادون ويكرهون المصلحين ..على سبيل المثال .أهل مكة لقد أحبوا محمدا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة حبا كبيرا لأنه كان صالحا ..ولكن لما بعثه الله تعالى وصار مصلحا كرهوه وعادوه وقالوا فيه الكثير إذ قالوا ساحر كذاب مجنون .. أتعرفون لماذا أو سبب العداء ..

لأن المصلح يصطدم بصخرة أهواء ورغبات الناس حينما يريد أن ينتشلهم من فساد نفوسهم ..فقال أهل العلم مصلح واحد أحب إلى الله من ألف صالح …لأن المصلح قد يحمي به الله أمة والصالح يكتفي لحماية نفسه …قال الله تعالى …. وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون .. ولم يقل عز من قائل صالحون

في صالة المطار اجتمعوا ليودعوا صديقهم المسافر إلى مدينة اخرى . وفي انتظار نداء التوجه للطائرة امضوا وقتهم يتجاذبون أطراف الحديث. كان من بين المودعين رجل ذو تقوى وصلاح . كان آخر ما قاله وهو يودع الصديق المسافر:

إن الرجل الصالح يترك أثرا صالحا أينما حل .

ونحن نأمل أن يترك صديقهم أثرا صالحا في هذه المدينة الجديدة عليه” 

صوت المنادي بالتوجه للطائرة قطعت شجون حديثهم , فهموا بوداع صديقهم الذي توجه للطائرة وجلس وحيدا يفكر في المجهول الذي ينتظره في مدينته الجديدة, وفي تلك الكلمات التي سمعها والتي أخذت مكانها في نفسه , و التي عاش بها وعاش لها بقية حياته والتي لم تدم طويلا . 

إن تلك النصيحة التي قيلت للمسافر منذ ما يقرب من نصف قرن بينت له ووضحت أن هناك فرقا بين الصالح و الصالح المصلح. و أن المسافة بين الصالح , والصالح المصلح مسافة شاسعة . لذلك أيقن الرجل حينها أن الأمة ليست في حاجة إلى نموذج الفرد الصالح , بقدر حاجتاها إلي نموذج الفرد الصالح المصلح الذي يجب أن يترك أثرا صالحا أينما حل وأينما نزل وأينما تواجد . هكذا فهم المسافر , وهكذا عمل , ومن ثم أخذ يورث الفكرة إلي طلابه وأحبابه وإخوانه في كل مكان . وهذا ما يجب أن نؤمن به نحن اليوم . 

فالواقع البئيس للأمة اليوم يدعونا أن نتساءل عن جدوى وجود أهل الصلاح و أهل التقوى في مجتمعات لا يعود تأثيرهم علي من يحيون داخل هذه المجتمعات ؟!!! وما جدوى وجود أهل العلم وأهل الخير كل داخل محرابه يصلي لله, ويعبده حق عبادته , بينما المجتمع من حولهم يعج بصنوف الفساد والمفسدين ؟!!! ما فائدة علم لا ينفع المجتمع ولا ينهض به ولا يعالج مشكلاته ويضمد جراحاته ؟!!! . ما فائدة أبحاث ودراسات مؤلفات بذلت فيها الجهود الميدانية المضنية ومع ذلك انتهى بها المقام إلى أن تكون حبيسة الأدراج ؟!!!. 

إن الأمة أحوج ما تكون إلي نموذج الفرد الصالح المصلح. الذي يتحرك بصلاحه وعلمه ,وفقهه , وأخلاقه, وسلوكه بين الناس .يعيش في قلب الواقع بحلوة ووحله . يوقظ النائم . يذكر الغافل. ينصح المقصر . ينبه العاصي .يشجع الجاد . يحي السنة ويميت البدعة. يرد الناس إلى الله ردا جميلا .. يأمر بالمعروف بمعروف. وينهى عن المنكر بمعروف . يرد الظالم عن ظلمه .يرد الناس إلى الله , والي منهج الله , والى كتاب الله . يحبب عباد الله إلى الله , ويحبب الله إلى عباده. والا فما فائدة صلاح الصالحين , وعلم العالمين, وتقوى المتقين دون أن يكون لها اثر ومردود؟ 

إن مشكلة الكثيرين منا أننا نخلط بين الوسائل والأهداف . فمثلا الصلاة والزكاة والصيام والحج ما هي إلا وسائل. وسائل الهدف منها خلق إنسان صالح في المجتمع .هذا الإنسان الصالح إذا ما تحقق في المجتمع ووجد , فيجب أن يكون لها دور في العمل وفي الإصلاح. دور في البناء, و في تقليل هوامش الفساد في المجتمع. دور في جعل الإنسان يعيش على هذه الأرض بالطريقة التي يحبها الله ورسوله. وليس مطلوبا منه أن ينعزل عن الناس ومشاكلهم وهمومهم . 

أما أن يصلي المصلون ولا يكون لصلاتهم مردود في ارض الواقع ,أو يصوم الصائمون ولا يكون لصيامهم اثر يعود بالنفع على من هم حولهم . أن يذهب الحجيج في رحلات شاقة يحجون فيها أو يعتمرون ويعودون بلا مردود يجود الواقع الذي يعيشون فيه . فهذا هو الخلل , بل هو الخلل الكبير . نفس الخلل – بل وأفظع منه – أن يتواجد في المجتمع عدد من الصالحين ولا يكون لهم لا مردود ملموس , ولا تأثير ايجابي على المجتمع الذي يعيشون فيه . 

إن هذا الخلط بين الوسائل والأهداف يذكرنا ببعض من ينتمون إلى الجماعات أو الحركات الإسلامية في عالمانا الإسلامي. وهم يظنون أن مجرد انتمائهم إلى جماعة من الجماعات العاملة على الساحة هو هدف في حد ذاته .ولكن إن الانتماء للحركات الإسلامية هو وسيلة وليست هدف . فكل من ينتمي إلى جماعة تعمل لنصرة الإسلام ويكتفي بهذا الانتماء فقط فهو عبء ثقيل , وبطالة مقيتة , وعدد في الليمون كما يقولون . لأن الانتماء الحقيقي لهذا الدين يجب أن يكون انتماء العطاء, والإنتاج – كل حسب قدراته ومواهبه. فلابد لمن يندرج تحت لواء العاملين لنصرة هذا الدين أن يكون لانتمائه مردود واثر: مردود يشعر به المجتمع واثر يسعد بالبشر . وليس مقبولا من هؤلاء أن يكتفوا بإصلاح أنفسهم وفقط . ويعيشون في المنطقة الدافئة . بل لابد وان يصلحوا أنفسهم بالتزامن مع دعوة غيرهم ودلهم على الخير وإرشادهم إلي الصواب وحثهم على العمل والبناء . 

ولكن الواقع يخبرنا أن هناك عوائق تعشش في أذهان الكثيرين من أهل الصلاح و أهل التقوى و أهل الورع أهل والخير في مجتمعاتنا- وهم كثر بفضل الله- . هذه العوائق تحول بين انتقالهم إلى دائرة (الصالح المصلح ). سبب ذلك ظن هؤلاء أن الأمر عظيم و له تبعاته ومسؤولياته . وإنهم لا طاقة لهم بها . كما ويخشى بعض هؤلاء ألا يكونوا على قدر هذه التبعات ولا لهذه المسؤوليات. ولا للجهود المطلوب لذلها . لذلك فهم يفضلون البقاء في المنطقة الدافئة ألا وهي منطقة الفرد الصالح .ويربأون بأنفسهم أن يقتحموا أو يمارسوا دور الفرد الصالح المصلح في المجتمع . ولكن عظمة هذا الدين انه وسع في مفهوم الإصلاح وبسطة لدرجة أن كل فرد في الأمة يستطيع ان يكون له أوفر الحظ والنصيب من كعكة الإصلاح المرجوة . كل حسب قدراته وإمكانياته . 

ودعونا نؤكد على هذا المعنى من خلال صحابي جليل جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وسأله : 

يا رسول الله علمني شيئا ينفعني الله تبارك وتعالى به . 

فرد عليه رسول الله بسبع كلمات, ولكنها تلخص فلسفة وعظمة هذا الدين العظيم في بساطة وعمق . كلمات تلخص وتبسط مفهوم الإصلاح أمام المسلمين . كلمات تحل مشكلة الكثير من المترددين في الانتقال من منطقة الصالح إلى منطقة الصالح المصلح . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا برزة : 

انظر ما يؤذي الناس فاعزله عن طريقهم . 

وهي مقولة توضح لنا إن مجالات الإصلاح لا حدود لها, كما وفيها منهاج عمل يكفي ويغري كل صالح أن يتحول من المنطقة الدافئة إلي منطقة الصالح المصلح . 

فلو أقدم كل صالح على تنفيذ هذا التكليف كل حسب قدرته واستطاعته وتخصصه وطاقته لحلت كثيرا من مشاكل المسلمين صغيرها وكبيرها. لو أقدم كل صالح على تنفيذ هذا التكليف لارتقت الأمة ونهضت من كبوتها . فالأمية , والبطالة , والفقر , والجهل , والمرض , وإقصاء القرآن عن منصة التشريع , وغياب دولة الخلافة الإسلامية , والانهيار الحضاري والأخلاقي والعلمي الذي ابتليت به الأمة , وغياب الشورى عن واقع حياة الأمة , وعدم احترام حقوق الإنسان , والانبهار بكل إفرازات الحضارة الغربية , والحكم بغير ما أنزل الله , وتداعي الأمم علينا ,والحملة الشرسة على الأمة ومقدساتها وغيرها وغيرها كلها أمور تؤذي المسلمين . فمن يعزل هذا الأذى ويميطه عن طريق وعقول المسلمين ؟ فهذه الأمور- وغيرها – تؤذي المسلمين,وتعمق جراحاتهم , وتعرقل مسيرتهم, وتعيقهم عن القيام بالمهمة التي خلقهم الله لها , فمن يعزلها عن طريقهم؟ ومن يتقدم لتضميد جراحهم ؟. إن واقع الأمة اليوم يتطلب من قادتها ومؤسساتها , وأهل الخير فيها أن يسعوا جادين إلي توفير نموذج الفرد الصالح المصلح في الأمة . فالأمة في حاجة إلي فرد يتحرك ويعمل وينتج ويقدم لدينه شيئا ما . فرد لا يكفيه أن يعيش لنفسه, بل يعيش لدينه . فرد إذا ما نظر إلى حال المسلمين اليوم , وما آلت إليه أحوالهم , وإذا ما نظر إلى المخططات التي تحاك ليل نهار لإفساد عقيدتهم يمتلئ طاقة وأقداما لا حسرة وألما . فرد ينطلق يغير ويصلح ويبدع ويطور في هذا الواقع البئيس حتى تعود الأمة إلى سابق مكانتها .فرد يصلح ويستفيد من كل دقيقة في الإصلاح والبناء- بناء شيء ما  

القراءة بناء 

وتعود الكتابة بناء 

وتدوين الأفكار بناء 

والعمل النافع بناء 

والقول النافع بناء 

والمشي في الخير بناء

وكلها أمور تصب في خانة تبسيط مفهوم الإصلاح أمام الناس حتى لا يكون بيننا من يستثقل مفهوم الإصلاح ويخشى اقتحامه . 

فلننطلق , ولتنطلق , ولينطلق الصالحون صوب دائرة الإصلاح ولنضع جميعا نصب أعيننا أن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا . فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء فما له والنوم وما له والراحة وما له الفراش الدافئ وما له العيش الهادئ وما له المتاع المريح.

المصادر 

مقالة للدكتور صلاح الخالدي 

جريدة المشرق مقالة للدكتور جمال نصار

محاضرات للسادة الشيوخ الأفاضل

جريدة الوطن السعودية.نواف محمد الكنعان

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى