أنتشرت فى الأيام الماضية حمى التنقيب السرية للبحث عن الآثار والحفر بداخل البيوت عن طريق الاستعانة بكشاف وكلمة كشاف تعنى قدرة الشخص على اختراق بواطن الأرض ورؤية مآبها . وهم يدخلون على من يقع عليه الدور مدخل العارفين بالله وببواطن العلم ولا يطلبون أموالا..أو ما شابه ذلك. هنا يستأنس لهم الضحية من خلال الورع والتقوى الذي يظهرونه له …. فيستخدم معهم طريقة أسمها (طريقة الجرار المليئة بالذهب) وتلك الطريقة تبدأ حينما يحدد النصاب مكانا فى غرف البيت، باعتبار أنه كشاف ويستطيع رؤية كل ماهو موجود داخل باطن الأرض ، وعند تحديد يوم العمل يدخل النصاب تلك الغرفة بمفرده ،ويطلق البخورات ويردد بالكلمات المبهمة التي يتعمد أن يسمعها كل من هم خارج الحجرة، وبعد فترة يخرج متظاهرا كمن يبدو منهكا وفى غاية الإرهاق ثم ما يلبث أن يأمر صاحب المنزل ومن معه أن يحفروا له قبر فى الغرفة المذكورة بمقاس طول مترين وعرض متر ، وبعد الانتهاء من الحفر يأمر بإحضار قماش أبيض يغطى ذلك الحفر تماما ثم يدخل بمفرده الحجرة ، ويمارس أموره المعتادة من بخور وكلمات غير مفهومة، ثم يخرج من الغرفة ويطلب منهم أن يدخلوها حتى يروا الكنز يهرع الجميع ،لرؤية الكنوز الأثرية يجدون جرارا ،وقد خرجت أعناقها من باطن حفرة القبر وعندما يمد بعضهم يديه،يجد عنق الجرار مفتوحة، وبها بعض من النقود ومن عملات رومانية من الذهب والنحاس … هنا يقول النصاب أنه كاد يسحب الكنز من باطن الأرض إلا والبخور قد انتهى منه……. بالتالي لابد من استحضار بخورات لتكملة العمل ، وأستخراج الكنوز التى تقدر بملايين الدولارات ،ثم ينصرف تارك أهل البيت فى حيرة فيذهبون له …..هنا يفاجئ الجميع بأن مبلغ البخور يصل إلى مليون جنيه خلاف مصاريف السفر للشيخ العظيم إلى المغرب بنفسه لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يعرف حقيقة بخور الطقش المغربى …… وبلا تردد يتم جمع المبلغ فورا . ويسافر الشيخ العبقري الفذ إلى المغرب مستجما ، ويعود ومعه بعض البخور الذي لا يتعدى قيمته 100 درهم ويدخل الغرفة ويبدأ العمل ثانيا ..ثم يخبرهم ألا يدخل أحد الغرفة الآن فغدا سيكمل أستخراج الكنز ويتم غلق الغرفة بأحكام … ثم يخرج النصاب ليبلغ الشرطة باسم مستعار أن هناك جماعة يحفرون فى منزلهم وقد عثروا على كنز فرعونى ، فتداهم الشرطة المكان ليجدوا أعناق الزلع كما هى ، ويتم تبليغ الآثار التى تكشف المكان فلا تجد به شيئا ، وأن أعناق الزلع ليست بفخار، بل هى نوع من الأسمنت سريع التفاعل مع الماء ، وأنها صنعت بفعل فاعل وليست أثرا .وهنا تضيع عليهم المليون جنية ويختفى النصاب تماما.
وأود أن أوضح أيضا بأن ليس مفهوم الآثار ومحتويات المواقع الأثرية سواء مسجلة أم غير مسجلة ذهبا وتحفا منقولة ذات قيمة مادية كما يعتقد العامة ، ولكن هناك أماكن سكنية بها أدوات للمعيشة والحياة اليومية مثل الخزف والفخار والجرار والمواقد و الافران وبقايا الكتان ليس لها عائد مادي ولكنها ذات أهمية آثرية وتاريخية حيث يمكن من خلالها تأريخ الموقع واكتشاف مدن مندثرة ، وقد تكون قطعة كسر فخار مهمة وحلقة مفقودة من حلقات التاريخ ، كذلك العملات النحاسية والتي غالبا تكون ذات لون اخضر من الصدأ فليس لها قيمة مادية ، ولكن دون ونقش عليها سطر من سطور التاريخ فهنا يأتي دور الآثاري في توعية المواطنين والبسطاء فالإنسان ليس معصوم من الوقوع في الخطأ وهنا يحضرني موقف طريف منذ حوالي ٢٠ عاما حيث كنت أعمل ضمن بعثة حفائر أثرية بأحدي المدن المطلة علي ساحل خليج العقبة وقد وجدنا امتداد للموقع علي البحر مباشرة ( برج مراقبة ) عنصر معماري من الطوب الاحمر العثماني كان يوضع فوقه مدفع أرمسترونج وهنا تجمع حولنا العامة وقالوا لنا متي ستجدون الذهب . وأما عن مخاطر تلك الأعمال والحفر الخلسة الغير شرعي يتمثل في مخاطر أقتصادية حيث المال الناتج عن تلك الأعمال يستخدم في غسيل الأموال مما يؤثر بالسلب علي اقتصاد الدولة ، كذلك انتشار الجرائم مثل القتل وذلك لطلب الدجالين أحيانا إحضار فداء ودم طفل أو ما شابه ذلك ، كذلك السرقات والصراعات والاختلافات بين الشركاء و انتشار الخرافات في المجتمع وأنهيار الأسرة والقيم الاجتماعية . كذلك هناك عامل خطير جدا ، حيث تستخدم تلك الأموال في تمويل الجماعات الإرهابية الدولية وشراء الأسلحة ، مثلما حدث في شمال سوريا عقب ٢٠١٢ ، بجانب الأضرار التي تؤثر علي المواقع الأثرية بتدمير طبقات وسطور وحلقات من التاريخ قد تقودنا الي فهم الماضي وتفسيره .