أخبارمنوعات

أمنحتب الثالث يحيى السلام بين مصر وتركيا

بقلم / أيمن بحر

فى خطوة لافتة تعكس عمق التحول الذى شهدته العلاقات المصرية التركية خلال السنوات الأخيرة، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطى عن إهداء أنقرة مستنسخ أثري للملك أمنحتب الثالث، أحد أعظم ملوك مصر القديمة. الهدية جاءت بمناسبة مرور مئة عام على العلاقات الحديثة بين البلدين لكنها حملت فى مضمونها رسالة سياسية وحضارية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية.
فلماذا اختارت مصر تحديدًا أمنحتب الثالث؟ وما دلالة أن تمنح أنقرة رمزًا فرعونيًا في هذا التوقيت؟
من الصراع إلى إعادة بناء الجسور
عاشت مصر وتركيا خلال العقد الماضي واحدة من أعقد المراحل السياسية بين دولتين في المنطقة، بعدما قادت أنقرة انخراطًا إقليميًا حادًا تدعم خلاله جماعات مسلحة ومشاريع أيديولوجية في الشرق الأوسط. وكادَ الصدام أن يقترب من مواجهة مباشرة على الأراضي الليبية، إلى أن أعلنت القاهرة خط سرت–الجفرة خطًا أحمر لأمنها القومي، في خطاب شهير رسم ملامح مرحلة جديدة في معادلة القوة بالمنطقة.
هذه اللحظة كانت نقطة انقلاب واضحة في الموقف التركي، إذ بدأ التدرّج نحو إعادة تقييم العلاقات مع القاهرة، في ظل إدراك كامل للثقل المصري وقدرتها على حماية أمنها وأمن جوارها الاستراتيجي. ومع الوقت، بدأ الجليد يذوب، وبدأت العلاقات تعود لمسار قائم على المصالح والاحترام المتبادل.
تعاون غير مسبوق في ملفات حساسة
على مدى السنوات الأربع الماضية، شهدت العلاقات قفزة نوعية وصلت إلى اتفاقات اقتصادية كبيرة، وتفاهمات في ملفات الدفاع والتصنيع العسكري، وتنسيق سياسي في أزمات مثل غـزة والسودان. هذه النقلة لم تكن مجرد مصالح عابرة، بل كانت إعادة صياغة حقيقية لعلاقة دولة بدولة بعد صراع طويل.
ومن قلب هذا التحول جاءت خطوة الإهداء المصري… خطوة ليست عشوائية، ولا بروتوكولية.
لماذا أمنحتب الثالث؟
اختيار مصر لتمثال أمنحتب الثالث تحديدًا، لم يكن مجرد احتفاء بملك عظيم، بل دلالة سياسية بليغة.
فأمنحتب الثالث – الذي حكم بين عامي 1388 و1351 قبل الميلاد – كان رمزًا لعصر ذهبي اتسم بالسلام والازدهار والرخاء، ورمزًا لحكمة قادرة على تحقيق النفوذ دون الانزلاق إلى الحروب. ملكٌ بلغت مصر في عهده ذروة قوتها، وفرضت نفوذها الدبلوماسي على العالم القديم بدون معارك دامية.
بمعنى آخر… الرجل الذي أطفأ الحروب وأرسى السلام هو أفضل تعبير عن المرحلة الجديدة بين القاهرة وأنقرة.
وكأن مصر تقول:
السلام ممكن… ولكن بعد وضوح القوة ومعرفة الحدود.
رسالة مصر لتركيا: هنا حضارة أقدم من التاريخ نفسه
أما البعد الأعمق، فيرتبط بالرمزية الحضارية. فإهداء تركيا تمثالًا لملك مصري سبق وجود الدولة التركية بآلاف السنين، يحمل رسالة واضحة في مضمونها:
مصر ليست تابعًا ولا جزءًا من مشروعٍ عابر.
مصر دولة أصل الحضارات، وقوة تاريخية يتعامل معها الآخرون بندية واحترام.
وبعد سقوط رهانات كثيرة على مشاريع أيديولوجية حاولت اختراق الدولة المصرية، ها هي القاهرة اليوم تمنح تركيا رمزًا من أعظم عصورها، بعد أن أفشلت محاولات تحويل المنطقة إلى مساحات نفوذ جديدة على الطريقة العثمانية.
الرسالة واضحة:
عندما تتعاملون مع مصر… فأنتم تتعاملون مع أقدم دولة في التاريخ.
خاتمة
إهداء تمثال أمنحتب الثالث لأنقرة ليس تفصيلة ثقافية، بل عنوان لمرحلة.
مرحلة انتقلت فيها القاهرة من موقع المواجهة إلى موقع الشريك القوي، القادر على إدارة خلافاته ومصالحه من منطلق الثقة والانتصار.
وبين طيات هذا التمثال، رسالة مصرية تقول لتركيا وللعالم:
نحن أبناء حضارة صنعت التاريخ… ولا نسمح لأحد أن يفرض علينا مسارًا لا نريده.
واليوم، نختار السلام… عندما يكون السلام طريق القوة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى