مقالات

ذكرى ميلاد أيقونة العروبة

د. غادة محمد عبد الرحمن 

احتفلنا واحتفينا خلال الأيام القليلة الماضية بذكرى ميلاد سفيرتنا إلى النجوم، ذات الصوت الدافئ الذي يحمل بين طياته الكلمات الراقية والألحان العذبة، ليأخذنا كلما تسلل إلى مسامعنا إلى عالم من الإبداع نشعر معه وكأننا دخلنا قصة خيالية من قصص شهرزاد الساحرة التي تأخذنا لنحلق معها وسط النجوم، وتغوص بنا في أعماق البحار لنلمس اللؤلؤ والمرجان.

إنها فيروز الجميلة التي لم تقبل أن تكون مجرد نجمة ساطعة في سماء الإبداع، بل اتخذت لنفسها مكانة سامية لتكون جارة القمر، فكان علينا أن نسمو بمشاعرنا ونرتقي بأذواقنا حتى ندركها، ولم تكتفِ بكونها مطربة مبدعة ذات موهبة من طراز فريد، وأسطورة من أساطير الفن العربي فحسب، بل أصبحت قديسة نشعر مع صوتها بنوع من الوقار والخشوع.

ولأنها أدركت منذ البداية أن رسالة الفنان الحقيقي يمكن أن تسطر تاريخًا وتشيد حضارة، جعلت فيروز من نفسها أيقونة من أيقونات العروبة، حيث غنت لكل بلدان الوطن العربي، بداية من لبنان الأخضر، الوطن الذي أحببناه بشماله وجنوبه وسهله كما أحبته هي، وأرسلت قلوبنا سلامًا لبيروت وقُبَلًا للبحر والبيوت، وزرنا الجنوب الصامد ذو التراب النفيس المشغول بالقلوب، ومصر العظيمة، شدت فيروز لعودة شمسها الذهبي، وقصص الحب التي كتبها النيل على شاطئه، وشاطئ الهوى في الإسكندرية ذات الليالي الهنية، كما غنت فيروز لمكة المكرمة وسخاء وكرم أهلها الذين يشعرون بفرحة العيد مع مجيء ضيوف الرحمن من الحجاج، ضاربة بذلك المثل الأعلى والأجمل في التسامح الديني، ومؤكدة على أن رسالة الفن الصادقة عابرة لكل الحدود، أما فلسطين الحبيبة فقد كان لها النصيب الأوفر من الشدو الفيروزي الذي تعلمنا منه أبجدية اسم فلسطين، حيث مرينا معه بشوارع القدس العتيقة وسط أهلها أصحاب العيون الحزينة الصامدين رغم كل ما يلاقونه من عذاب، وزرنا أطلال البيوت الفارغة التي خربتها الأيادي السوداء، ورحلنا إلى مدينة الصلاة لنصلي من أجلها ونعانق الكنائس ونمسح الحزن عن المساجد، وأقسمنا على أن الغضب الساطع الذي سيمحي آثار العدوان ويعيد زهرة المدائن لسابق عهدها آتٍ من كل طريق لا محالة، وطفنا مع شدوها بين أرجاء المخيمات لنؤكد العهد مع أهل الشتات بالرجوع يوماً إلى حيّنا.

من هنا باتت فيروز بمثابة وطن لكل المناضلين من أجل الحرية، والصامدين أمام قوى الشر، والمرابطين على أرض الأجداد، وأصبح صوتها سلاحاً نلجأ إليه كلما حاول اليأس التسلل إلى أرواحنا، أو أراد الاستسلام فرض وجوده.

وأخيراً، سيدتي الجميلة، أيتها القديسة في محراب الإبداع، كل عام وأنتِ معنا وفينا، شادية بأجمل الألحان في سماء عروبتنا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى