محافظات

القصير… فسيفساء الإنسان قبل أن تكون جغرافيا المكان

تتجلى القصير في أبهى صورها، مدينة تروي حكاية الإنسان قبل جغرافيا المكان. 

حنان عبدالله هشي 

يحدثنا مؤرخ القصير الدكتور /طه حسين الجوهرى عن مدينة القصير قائلا : في الشهور الماضية، حملتُ أوراقي ورحلتُ بين المنصات والجامعات الإلكترونية، ألقي محاضراتٍ عن تاريخ المدن، أتتبع جذورها ومصادر مائها الأولى، وأصغي إلى نبض القبائل التي صنعت خرائطها. وكلما تحدثتُ عن مدينةٍ ما، اكتشفت أن الطريق إلى هويتها يبدأ من فهم الإنسان الذي سكنها، قبل فهم جبالها وبحارها وسهولها. فالهجرة الأولى ليست انتقال جسدٍ في فضاء، بل انتقال روحٍ تحمل معها طباعها وثقافتها وعاداتها.

ولمّا كانت الهوية تبدأ من الوطن القريب، عدتُ إلى مسقط الرأس؛ إلى القصير… تلك المدينة التي كلما ظننتُ أني أحيط بتاريخها، انفتحت لي طرق جديدة، وتجلّت آفاق أوسع، كأنها بحرٌ لا ينتهي، كلما غُصتُ فيه عاد إليّ بكنزٍ آخر.

هكذا بدأتُ دراسة عنوانها:

”القصير… دراسة المكان والإنسان”، وما زالت تتسع بي حتى الساعة، ككتابٍ لا يريد أن يقول كلمته الأخيرة.

 

وحين أمعنت النظر في تاريخ القصير، لم أجد فيها قبائل استوطنت واستقرت، تصنع وجهًا واحدًا للمدينة، أو ترسم حدودًا واضحة لهويتها.

بل وجدت قبائل جاءت، وسكنت زمنًا، ثم رحلت؛

جاءت حيث الماء والكلأ، أو جاءت مهزومةً من قبيلة أقوى، فحُكم عليها بالنفي أو النزوح، أو جاءت باحثةً عن رزقٍ أو فرصة حياة.

ومع كل موجة هجرة،

كانت المدينة تُبقي من كل قبيلة حفنةً صغيرة: رجالًا ونساءً، استقروا فيها أفرادًا لا يتحدثون باسم قبائلهم، بل ذابوا في جسد المدينة بهدوء، كقطرات مطرٍ لا تعرف من أي سحابةٍ جاءت.

ولهذا تبدو القصير –كما رآها الرحّالة– مدينةً يسكنها الخليط، لا تجمعهم قبيلة واحدة، ولا ثقافة متجانسة، بل لوحة بشرية لا تنصهر في لونٍ واحد، ولا تُختزل في هويةٍ بسيطة.

 

في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وهما أزهى عصور القصير، سكنها:

تجّار من ينبع لا ينتسبون لقبيلة واحدة.

بقايا الحجاز من قبائل شتى.

صيادون من اليمن والجزيرة العربية والهند، جاءوا بحثًا عن رزق البحر.

حجاج مغاربة وأفارقة انقطعت بهم السبل، وضاعت قوافلهم، فاستقروا فيها مضطرين أو مختارين.

وأخيرًا… قوة تركية تظللها هيبة الدولة، يسندها مائتا مملوكي، وجدوا في القصير مأمنًا بعيدًا عن الحكومة المركزية، غنيًا بمال الجمارك والتجارة.

هؤلاء جميعًا سكنوا قلب المدينة:

حاراتها الشرقية والغربية والوسطى.

وحول ذلك القلب، تشكّلت حلقة من القبائل الصحراوية: العبابدة، المعازة، العوازم، العليقات…

قبائل تحيط بالمكان كما تحيط الصحراء بالواحة.

وهكذا صار في القصير مركزٌ مدني متعدد الأعراق، تحيط به أطرافٌ قبلية راسخة.

 

مدينة صعبة الانصهار… لكنها قادرة على النهوض

هذا الخليط البشري جعل القصير فسيفساءً مذهلة، لكنها صعبة الانصهار في هوية واحدة.

لكل جماعة عادتها، ولكل قبيلة فلسفتها في الحياة، ولكل وافدٍ ذاكرة مختلفة عمّن حوله.

ربما كان هذا أحد أسباب الإرث الثقيل من الخلافات الصغيرة التي تطفو كلما احتدمت السياسة، وظهرت مناسبات التنافس الاجتماعي، فتُستدعى مسميات مثل:

أبناء واأدي النيل، القصيرية، العبابدة … وغيرها.

لكن التاريخ يُخبرنا شيئًا آخر:

أن القصير حين تجاوزت عقدتها التاريخية، وكسرت حواجز الانقسام، كانت في أزهى حالاتها.

كان الرخاء يعمّ المدينة، والبحر يهبها خيره، والتجارة تمنحها قوتها، والناس فيها يتحابّون ويتوادّون ويتراحمون.

كأن المدينة تقول:

حين يصبح الإنسان أكبر من القبيلة، تصبح القصير أجمل من ذي قبل.

 اذن ليست القصير ابنة قبيلة واحدة.

ولا بنت هجرة واحدة.

بل مدينةٌ نسجتها خطوات العابرين، وأقدار الصيادين، ورحلات الحجاج، ونَفَسُ التجار، وقصص المماليك، وصبر القبائل الصحراوية.

مدينةٌ إذا بحثتَ عن أصلها، وجدته إنسانًا…

وإذا فتشتَ عن هويتها، وجدتها البقاء رغم الرحيل…

وإذا سألتَ عن سرّها، وجدته قدرةً عجيبة على احتواء المختلفين دون أن تذيبهم.

ولهذا تبقى القصير –برغم كل اختلافاتها–

مدينةً روضت التاريخ… وصنعت لنفسها مكانًا في الذاكرة…

وأثبتت أن الهوية لا تُمنح، بل تُبنى…

وأن الإنسان هو الذي يصنع المكان،

لا القبيلة وحدها، ولا الجغرافيا وحدها…

بل روحٌ تولد من تلاقي الجميع في لحظة قدرية واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى