تحليل عسكري لعملية اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو

محمد شعيب
في 3 يناير 2026، أصبحت “عملية الحل المطلق” (Operation Absolute Resolve) مثالاً بارزًا في تاريخ القوات الأمريكية العسكرية، حيث تمكنت الولايات المتحدة من القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دون وقوع أي إصابات بين الجنود الأمريكيين.
وكان السبب الرئيسي وراء هذا النجاح هو عمليات استخباراتية استمرت لشهور، ضمنت عنصر المفاجأة الكامل للمرحلة التنفيذية للعملية. وكان أكبر إنجاز لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) هو تجنيد عدد من كبار ضباط أقرب الحراسات الأمنية لمادورو، مثل جهاز SEBIN والحرس الرئاسي، الذين زودوا الفريق بمعلومات دقيقة عن الروتين اليومي للرئيس، أماكن نومه، الغرف التي يتواجد فيها، السيارات التي يستخدمها، تخطيط المجمع، ومواعيد تبديل المناوبات.
ونظرًا للعقوبات الطويلة، كانت عائلات كبار الضباط مقيمة في الولايات المتحدة أو كولومبيا، وقد تم استغلال ذلك من قبل الـ CIA عبر تقديم ضمانات أمنية وعوائد مالية ووعد باللجوء المستقبلي، ما دفع بعضهم إلى التعاون. وتشير التقارير إلى أن 2–3 من الأشخاص الرئيسيين الذين يحتفظون بمفاتيح غرفة نوم مادورو قدموا معلومات مباشرة.
وفي بعض الحالات، كان هناك عملاء مزدوجون داخل جهاز الاستخبارات الفنزويلي، حيث كانوا يتظاهرون بالعمل لصالح مادورو بينما يرسلون معلومات للولايات المتحدة.
كما تم اعتراض مكالمات مادورو والأشخاص المقربين منه ورسائل البريد الإلكتروني والتطبيقات المشفرة مثل Telegram وSignal عبر وكالة الأمن القومي (NSA). وعلى الرغم من اعتماد فنزويلا على تقنيات روسية وصينية، إلا أن العديد من الأجهزة كانت قديمة أو ضعيفة الحماية، ما مكّن من تتبع المواقع في الوقت الحقيقي عبر الهواتف أو إشارات GPS للسيارات.
وقد تم إنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد لقصر ميرافلوريس الرئاسي باستخدام الأقمار الصناعية عالية الدقة مثل KH-11 وMaxar التجارية وطائرات الدرون RQ-4 Global Hawk، كما تم تحديد أماكن الأفراد ليلاً باستخدام التصوير الحراري.
وفي الأيام التي سبقت العملية، تم تزويد مادورو بمعلومات مضللة عن “عملية كبيرة على الحدود مع كولومبيا”، مما شتت تركيز قواته الأمنية، كما أظهرت الطائرات بدون طيار نشاطًا مزيفًا في مناطق أخرى بالعاصمة كاراكاس كتمويه.
أثناء العملية، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 150 طائرة، بما في ذلك F-22، F-35، EA-18G Growler، وB-1 Bomber، لتدمير الدفاعات الجوية الفنزويلية أولاً، في مثال كلاسيكي لعملية SEAD (كبح دفاعات العدو الجوية). وتم تشويش الرادارات بواسطة الحرب الإلكترونية وتدمير أي رادار نشط بصواريخ مضادة للإشعاع، كما تم تعطيل أنظمة القيادة والتحكم عبر الهجمات الإلكترونية.
ثم دخلت فرق Delta Force و160th Special Operations Aviation Regiment العاصمة كاراكاس بهبوط منخفض الارتفاع عبر المروحيات، ووصلت إلى مجمع مادورو وأجبرته على الاستسلام.
بدأت العملية عند الساعة الثانية ليلاً واستغرقت أقل من أربع ساعات، وهو ما يُظهر تفوق الولايات المتحدة في السيطرة المعلوماتية والدقة في العمليات الحديثة.
على الرغم من أن القوات المسلحة الفنزويلية (FANB) تُعد واحدة من أقوى القوات في أمريكا اللاتينية على الورق، إلا أنها في الواقع “قوة وهمية” — كبيرة عددًا لكنها ضعيفة في الجاهزية. أدت الأزمة الاقتصادية الطويلة والعقوبات الأمريكية إلى نقص قطع الغيار والوقود والتدريب، ما أضعف الروح المعنوية وزاد حالات الانشقاق.
أكثر من 60٪ من المعدات الروسية والصينية غير صالحة للعمل بسبب عدم الصيانة، مثل نصف مقاتلات Su-30 المتوقفة والدبابات T-72 المُستغلة لقطع الغيار.
كما أن القوات مسيسة للغاية، حيث تعتمد الترقيات على الولاء السياسي وليس الكفاءة، ويركز القادة على الأمن الداخلي وحماية النظام، وليس الدفاع ضد الهجمات الخارجية. ويعد نقص التدريب المشترك والتنسيق العملياتي ضعفًا كبيرًا آخر.
كانت الدفاعات الجوية الفنزويلية على الورق من الأكثر تطورًا في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك S-300VM طويل المدى، Buk-M2E متوسط المدى، Pantsir-S1، Tor-M1 وشبكات رادار صينية، لكنها فشلت في العمل بسبب الضربات الاستباقية الأمريكية، وتشويش الرادارات، والهجمات الإلكترونية التي قطعت سلاسل القيادة، فضلاً عن سوء الصيانة ونقص التدريب. كما أن التحليق الليلي المنخفض عبر المروحيات جعل اكتشافها مستحيلاً، ما أدى إلى انهيار الدفاعات بالكامل على الرغم من تصميمها متعدد الطبقات.
تبرز هذه العملية تفوق التكنولوجيا الأمريكية، والشبكات الاستخباراتية، والاستراتيجيات العسكرية الحديثة، بينما كشفت ضعف القوات الفنزويلية الناتج عن الأزمة الاقتصادية الطويلة، ونقص الصيانة، والسياسة الداخلية. وتشكل هذه الواقعة تحذيرًا للدول الأخرى، بما فيها بنغلاديش، أن امتلاك أسلحة متقدمة وحده لا يكفي — فالجاهزية والتدريب والدفاع المتكامل ضروري لجعل هذه الأنظمة فعّالة في الحروب الحديثة.



