أخبار عالمية

لماذا تسعى الهند بشدة لبناء علاقات مع حزب بنغلاديش الوطني

محمد شعيب

عند تحليل التقارير التي نشرتها وسائل إعلام هندية مختلفة بشأن الانتخابات البرلمانية المقبلة في بنغلاديش، يتضح وجود خطاب سياسي واضح وأحادي الجانب. تميل هذه التقارير إلى تصوير الصعود السياسي المحتمل للجماعة الإسلامية على أنه مصدر لعدم الاستقرار الدولي وخطر أمني. ويتجلى هذا التوجه بشكل أوضح في طريقة تناول وسائل إعلام مثل فيرستبوست، وبالكي شارما، والإنديان إكسبريس، وأنندابازار باتريكا، وريبابليك بنغلا للجماعة الاسلامية.

تزعم هذه الوسائل الإعلامية أن الجماعة الإسلامية تسعى إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في بنغلاديش بهدف تأجيل الانتخابات. وفي تحليل قدمته بالكي شارما، محررة فيرستبوست المحسوبة على حزب بهاراتيا جاناتا، وُجهت اتهامات مباشرة للجماعة  الاسلاميه بأنها تشكك في توافر بيئة انتخابية حرة ونزيهة بسبب تأخرها في استطلاعات الرأي. وفي المقابل، ورغم فوز الجناح الطلابي للجماعة الإسلامية، «إسلامي شاترا شيبير»، بانتصارات كاسحة في انتخابات اتحادات الطلاب في خمس جامعات متتالية، تتجاهل وسائل الإعلام الهندية هذا الدعم الشعبي وتصفه بدلاً من ذلك بأنه «تطرف» أو «انتشار للراديكالية». 

 صحيح ان الجماعه الاسلاميه تتبنى ايديولوجيه اخوان المسلمين،  فلهذا لا ينبغي ان تصل الى سلطه بنغلاديش ولكن معارضه الهند للجماعة الاسلاميه ليست لانها اخوان المسلمين او لانها تتبنى ايدولوجيه اخوان المسلمين بل لانها يتبنى الاسلام،  مع ان حزب بهاراتيا جانتا هي من يدعم الهندوسيه القوميه وتحاول تحويل الهند الى دوله وكيان هندسي قومي شديد.

قدّمت صحيفة أنندابازار باتريكا تصريح أمير الجماعة الإسلامية، الدكتور شفيق الرحمن، بطريقة توحي بأن الجماعة اعترفت بالهزيمة مسبقاً وتقوم باتهام الإدارة قبل إجراء الانتخابات. في حين أن الجماعة  الاسلاميه طالبت في الواقع بإبعاد أتباع حزب سياسي معين يُعتقد أنهم متغلغلون داخل الإدارة، لضمان حياد كامل بنسبة مئة في المئة.

وقال أستاذ في دراسات جنوب آسيا بجامعة كلكتا، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن انتفاضة عام 2024 في بنغلاديش جاءت لتحطيم النظام السياسي التقليدي ورفع راية واقع سياسي جديد. لكن وسائل الإعلام الهندية ذات التوجه الهندوتفي تعود مجدداً إلى السردية القديمة. فوسائل الإعلام في البنغال الغربية وفي عموم الهند، بل وحتى في بعض الحالات في بنغلاديش، تعيد استخدام «ورقة 1971» القديمة، ويتم الحكم على الجماعة الإسلامية من خلال منظور عام 1971 فقط.

تتجلى أمثلة أعمق لهذه الحملة الإعلامية الهندية عندما تحاول بعض وسائل الإعلام تحويل حوادث جنائية معزولة إلى قضايا طائفية أو سياسية. فعندما يُقتل شخص من أتباع الديانة الهندوسية بسبب عداوة شخصية أو خلافات أخرى،  او لانه ينتمي الى رابطه عوامل الفاشيه التي قتلت اكثر من 1400 طالب اثناء الانتفاضه الجماهيريه التي قادها طلاب مختلف الجامعات في بنغلاديش في يوليو العام الماضي، يتم تصوير الحادثة على أنها هجوم طائفي، رغم أن الواقع مختلف. فعلى سبيل المثال، قدّمت صحيفتا الإنديان إكسبريس وأنندابازار باتريكا حادثة مقتل رانا براتاب بيراغي في جيسور وكأنها جزء من حملة منظمة لإبادة الهندوس. غير أن تقرير بي بي سي بنغلا كشف، نقلاً عن سكان محليين، أن القتيل كان مرتبطاً في وقت سابق بأنشطة متطرفة، كما أن اسمه متورط في عدة قضايا مسجلة لدى الشرطة.

ورغم ذلك، تقوم وسائل الإعلام الهندية في مثل هذه الحالات بربط الأحداث مباشرة بالجماعة الإسلامية أو بالتيارات المتشددة. بل إن قنوات مثل ريبابليك بنغلا تحاول نشر حالة من الخوف بين الجمهور الهندي من خلال وصف انتصار الحركة الطلابية في بنغلاديش بأنه «ثورة إسلامية».

 ومن جانب اخر نحن نرى ونشاهد وبدقه بان الصحف الهنديه تصمت بحق الاعتداءات على المسلمين في الهند حيث يتعرض المسلمون في كل يوم للاعتداء مما يؤدي الى مقتل الكثير.

وفي تحليله لهذه الظاهرة، قال الدبلوماسي البارز والمتخصص في شؤون جنوب آسيا، رياض أحمد، إن دلهي تسعى الآن بشكل محموم لاستعادة نفوذها المفقود في بنغلاديش. وبعد سقوط رابطة عوامي، باتت الهند مستعدة لقبول حزب BNP كحليف، لكن الجماعة الإسلامية ظلت دائماً «خطاً أحمر» بالنسبة لها. ولذلك يتم تصوير الجماعة بشكل شيطاني عبر وسائل الإعلام، لإجبار حزب BNP على الحفاظ على مسافة بينها وبين الجماعة.

وعلى النقيض من ذلك، فإن تحليل تغطية وسائل الإعلام الدولية مثل بي بي سي والجزيرة يكشف صورة مغايرة تماماً للحملة الإعلامية الهندية. فقد اعتبرت بي بي سي في تقاريرها أن رفع الحظر عن الجماعة الإسلامية وإعادة تأهيلها سياسياً بعد التغيير في السلطة في بنغلاديش هو جزء من مسار ديمقراطي. أما الجزيرة، فتؤكد مراراً أن القمع الشديد الذي تعرضت له الجماعة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية خلق تعاطفاً واسعاً معها بين شرائح كبيرة من الشعب. وتشير هذه الوسائل الإعلامية الدولية إلى أن إجراء انتخابات مقبولة في بنغلاديش يتطلب ضمان مشاركة جميع الأحزاب، في حين تحاول وسائل الإعلام الهندية إقصاء الجماعة تماماً أو إسكات صوتها.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي والصحفي البارز من البنغال الغربية، جايانت سينها، إن «الانتخابات النزيهة» التي تتحدث عنها وسائل الإعلام الهندية لا مكان للجماعة الإسلامية فيها وفق تعريفهم. وأضاف أن هذا يمثل شكلاً من «الصحافة الانتقائية»، حيث تم تجاهل الانتصار الكاسح للجماعة في الانتخابات الطلابية بشكل كامل، رغم أن ذلك الانتصار كان التعبير الأوضح عن المزاج الشعبي الحالي. وأكد أن هناك ارتباطاً عميقاً بين الموقف الراهن للحكومة الهندية والدعاية التي تروج لها وسائل إعلامها.

يرى دبلوماسيون أن الهند، بعد سقوط حليفها التقليدي رابطة عوامي، باتت تسعى بشكل محموم إلى بناء علاقات مع حزب BNP. إن حضور وزير الشؤون الخارجية الهندي إس. جايشانكار إلى دكا لتقديم التعازي وتكريم رئيسة الحزب السابقة، خالدة ضياء، إضافة إلى لهجة الاحترام في رسالة العزاء، يبعث برسالة مفادها أن الهند ترغب الآن في رؤية حزب BNP في السلطة. غير أن الشرط غير المعلن للهند هو أن يقطع حزب BNP علاقاته مع الجماعة الإسلامية. وتسعى وسائل الإعلام الهندية إلى تنفيذ هذه الرغبة السياسية عبر حملة مستمرة ضد الجماعة، حيث تُصوَّر على أنها قوة «موالية لباكستان» و«معادية للهند»، بهدف إبقاء BNP بعيداً عنها ومنع المجتمع الدولي من الاعتراف بها. وفي جوهرها، تُعد هذه الاستراتيجية لعزل الجماعة الإسلامية جزءاً من سياسة دلهي المعروفة بـ«سياسة الجوار أولاً»، التي تهدف إلى إضعاف القوى غير المرغوب فيها أخلاقياً وسياسياً.

أصبح إبراز موقف الجماعة الإسلامية المعارض لحرب التحرير عام 1971 وسيلة رئيسية لعزلها سياسياً، ووصم حقوقها الديمقراطية بأنها «تطرف»، وهو ما بات يشكل الأجندة الأساسية لوسائل الإعلام الهندية. ولا تعد هذه الحملة المنسقة سوى محاولة لفرض بيئة سياسية في بنغلاديش وفق تفضيلات دلهي، متجاهلة إرادة الشعب البنغلاديشي.

تواصل وسائل إعلام مثل «إيه بي بي أنندا» في كلكتا و«ريبابليك بنغلا» الترويج لفكرة أن بنغلاديش ستتحول إلى دولة على نمط طالبان إذا وصلت الجماعة الإسلامية إلى السلطة. وفي حين تنظر وسائل الإعلام الدولية مثل الجزيرة ورويترز إلى الأزمة السياسية في بنغلاديش باعتبارها شأناً داخلياً، تصوّرها وسائل الإعلام الهندية على أنها تهديد للأمن القومي الهندي.

ويرى مراقبون ودبلوماسيون أن استمرار مثل هذه الحملات الإعلامية سيترك آثاراً سلبية على المدى الطويل على العلاقات بين بنغلاديش والهند، كما سيؤدي في الوقت نفسه إلى تصاعد مشاعر الغضب الشعبي المعادي للهند.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى