مقالات

بين 1952 و2011.. كيف كتب المصريون بدمائهم “مانشيت” الكرامة في يوم واحد؟! 

بقلم: بسمله الرعمي

 

يعد يوم 25 يناير ذكرى مزدوجة عميقة ومؤثرة جدًا في تاريخ مصر الحديث فهو أولًا عيد الشرطة الذي يُخّلد بطولة موقعة الإسماعيلية عام 1952 حين حاصرت قوات الاحتلال البريطاني مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات الشرطة وطالبت الضباط والجنود بتسليم أسلحتهم وإخلاء المكان فورًا.

رفض رجال الشرطة المصرية الاستسلام تمامًا فقاوموا بشراسة رغم التفاوت الكبير في العدد والتسليح فسقط منهم 50 شهيدًا وأُصيب 80 آخرون وكان من بين الضباط النقيب صلاح ذو الفقار الذي أصبح لاحقًا رمزًا سينمائيًا ووطنيًا مشهورًا.

وأصبح هذا اليوم رمزًا للكرامة الوطنية والتضحية في سبيل الوطن ولما قرر الرئيس محمد حسني مبارك في فبراير عام 2009 جعله إجازة رسمية وعيدًا للشرطة كان يقصد إظهار تقدير الدولة لجهود رجال الشرطة في حفظ الأمن والاستقرار والنظام العام، لكن القدر شاء أن يتحول اليوم نفسه بعد عامين فقط في 25 يناير 2011 إلى شرارة ثورة شعبية هائلة أطاحت بنظام حكم 30 عامًا بالقمع والفساد والظلم والانتهاكات.

لم تكن الثورة حدثًا مفاجئًا بل نتيجة تراكم طويل من الانتهاكات والمعاناة، قانون الطوارئ المطبق منذ عام 1967 باستثناء فترة قصيرة دامت 18 شهرًا وفي أوائل الثمانينيات منح الشرطة وجهاز أمن الدولة سلطات مطلقة شملت الاعتقال بدون أمر قضائي والحبس بدون محاكمة لفترات غير محددة وتعليق الحقوق الدستورية والرقابة على الصحف والجامعات والمساجد ومصادرة الأموال دون سبب واضح ووصل عدد المعتقلين السياسيين إلى تقديرات تصل إلى 30000 في بعض الفترات.

استشرى الفساد في كل مستويات الدولة حتى صنفت منظمة الشفافية الدولية مصر عام 2010 في المرتبة 98 من بين 178 دولة بدرجة 3.1 من 10 دلالة على فساد شديد الفقر ضرب نحو 40% من السكان الذين يعيشون بأقل من دولارين يوميًا والزيادة السكانية الهائلة 1.5 مليون نسمة سنويًا أي طفل كل 23 ثانية زادت الضغط على الموارد والخدمات والبطالة بين الشباب الحاصلين على الشهادات العليا بلغت مستويات مرعبة فتحول جيل كامل إلى قوة معارضة كبيرة، وانقسم المجتمع إلى أقلية تملك كل شيء وأغلبية لا تملك شيئًا نظام أوليجارشي ورأسمالية احتكارية سيطرت فيها قلة على الثروة والسلطة والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وأشعلت حوادث متتالية نار الغضب مقتل الشاب خالد محمد سعيد في 6 يونيو عام 2010 على يد مخبري قسم شرطة سيدي جابر في الإسكندرية بعد تعذيبه حتى الموت أمام شهود عيان وانتشار صور جثته على الإنترنت أثار غضبًا هائلًا.

وعاد محمد البرادعي إلى مصر وقاد تجمعًا حاشدًا في الإسكندرية منددًا بالانتهاكات وزار أسرة خالد سعيد لتقديم التعازي، ثم مقتل سيد بلال في 6 يناير 2011 تحت التعذيب في مقر أمن الدولة بالإسكندرية أثناء التحقيق في تفجير كنيسة القديسين وانتشرت صور آثار التعذيب على رأسه وبطنه ويديه تفجير كنيسة القديسين في ليلة رأس السنة 2011 أودى بحياة 24 شخصًا بينهم مسلمون وأصاب 97 آخرين وكان أول عملية إرهابية بهذا الحجم في مصر وأثار شكوكًا واسعة حول تورط جهات أمنية داخلية خاصة مع اتهامات وجهت إلى وزير الداخلية حبيب العادلي.

وشهدت انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر وديسمبر 2010 تزويرًا فاضحًا، حصل الحزب الوطني على 97% من المقاعد وسط بلطجية يحاصرون اللجان واعتداءات على الناخبين، انسحب حزب الوفد بعد المرحلة الأولى وقاطع البرادعي وغيره مما زاد الإحباط.

وأطاحت الثورة التونسية في ديسمبر 2010 ببن علي في أقل من شهر بعد إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه فأعطت أملًا كبيرًا بأن الشعب يقدر يغير وقبل أسبوع من 25 يناير أضرم 4 مصريين النار في أنفسهم احتجاجًا محمد فاروق حسن وسيد علي وأحمد هاشم السيد الذي توفي ومحمد عاشور سرور وظهرت ظاهرة البوعزيزية في العالم العربي.

كما لعبت وسائل التواصل دورًا حاسمًا في تنظيم الثورة، حيث أنشأ وائل غنيم وعبد الرحمن منصور صفحة كلنا خالد سعيد على فيسبوك جمعت مئات الآلاف ودعت إلى التظاهر في 25 يناير الذي يوافق عيد الشرطة رسالة مباشرة ضد أسلوب الشرطة القمعي فيديو أسماء محفوظ الذي دعا الناس لميدان التحرير شاهده أكثر من 1,000,000 شخص وترجم إلى الإنجليزية، واستخدم الشباب فيسبوك وتويتر للتنسيق والدعوة رغم محاولات النظام قطع الاتصالات والإنترنت لاحقًا.

وبدأت المظاهرات في 25 يناير 2011 في ميدان التحرير ومدن أخرى مثل الإسكندرية والسويس والمنصورة مطالبة بعيش وحرية وعدالة اجتماعية وإسقاط الفساد وسوء معاملة الشرطة وإنهاء الطوارئ، كانت المظاهرات سلمية في البداية لكن الشرطة ردت بالرصاص المطاطي والخرطوش والبلطجية فسقط شهداء في السويس والإسكندرية والقاهرة واستمرت الاشتباكات في اليوم التالي.

وتصاعدت الأحداث بشكل كبير في 28 يناير يوم جمعة الغضب انضمت قوى معارضة واسعة وقطعت الحكومة الإنترنت والاتصالات كلها لمنع التنسيق لكن ذلك زاد حماس الناس وإصرارهم اشتباكات دامية جدًا، وانسحبت الشرطة من القاهرة بالكامل اقتحم المتظاهرون السجون وهرب آلاف المساجين وهاجموا أقسام الشرطة، وانتشر الانفلات الأمني وحرق بعض المقار الحزبية فشكل المواطنون لجانًا شعبية لحماية الأحياء والمنازل والمحلات من النهب.

رد مبارك بإعلان حالة الطوارئ وإنزال الجيش لتأمين المنشآت وفرض حظر التجول وإقالة حكومة أحمد نظيف وتكليف أحمد شفيق بتشكيل حكومة جديدة وتعيين عمر سليمان نائبًا له وإعلان أنه لن يترشح في الانتخابات القادمة لكن المتظاهرين رفضوا واستمروا في الاعتصام.

وفي 1 فبراير بعد خطاب مبارك هاجم مؤيدوه ميدان التحرير ووقعت موقعة الجمل الشهيرة بهجوم بلطجية على الجمال والخيول فسقط عشرات الشهداء والجرحى واتهم النظام بتجنيد مرتزقة وبلطجية مدفوعين.

استمر الاعتصام 18 يومًا متواصلة ميدان التحرير تحول إلى رمز الثورة والقلب النابض، وشارك فيه الملايين من كل الطبقات والأعمار والمحافظات الشعار: “عيش حرية عدالة اجتماعية” تردد في كل مكان وأصبح شعارًا لكل الثورات العربية.

وانتشرت الاحتجاجات في الإسكندرية التي شهدت احتجاجات كبيرة بعد مقتل خالد سعيد والسويس التي سميت سيدي بوزيد مصر بسبب عنفها والمنصورة التي سميت منطقة حرب وسقط فيها عشرات الشهداء وخرج فيها مليون شخص في بعض الأيام والأقصر وشبين الكوم والعريش وسوهاج والمنيا والإسماعيلية والزقازيق وديروط، وفي سيناء تولى البدو حماية الحدود بعد تراجع الوجود العسكري حتى المدن النائية مثل سيوة شهدت توترًا بينما بقيت شرم الشيخ هادئة نسبيًا.

وفي 11 فبراير 2011 الساعة 6 مساء أعلن عمر سليمان في بيان قصير تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن منصبه وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي بإدارة شؤون البلاد، غمرت الفرحة الشوارع ملايين نزلوا يحتفلون في ميدان التحرير وكل المحافظات وزغردت النساء وعم الابتهاج مصر والعالم العربي من المحيط إلى الخليج.

وسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى حسب الأرقام الرسمية من وزارة الصحة التي قالت 384 شهيدًا و6467 مصابًا، لكن تقديرات أهلية وحقوقية رفعت العدد إلى أكثر من 800 شهيد مع مفقودين وجثث مجهولة.

أدت الثورة إلى تحقيقات فورية في رموز النظام وحبس نجلي مبارك علاء وجمال ووزراء كبار مثل حبيب العادلي وأحمد نظيف وزهير جرانة ومحمد المغربي وأحمد عز وتجميد أرصدتهم ومنعهم من السفر وحل الحزب الوطني الديمقراطي ومصادرة أمواله وقراراته في أبريل 2011.

ودعمت الولايات المتحدة دوليًا والاتحاد الأوروبي وألمانيا وتركيا نقل السلطة سريعًا، وطالبت مبارك بالتنحي بينما تباينت المواقف العربية فبعض دول الخليج مثل السعودية والكويت والإمارات أيدت النظام في البداية أما عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية وقتها فقد وصف التنحي بأنه أعظم يوم في تاريخ مصر.

وبقيت ثورة 25 يناير رمزًا خالدًا للكرامة والأمل والإرادة الشعبية، بدأت من يوم كان مخصصًا لتكريم تضحيات الشرطة ضد الاحتلال البريطاني وتحول إلى ثورة شعبية سلمية في أغلبها رغم الدم والقمع، وأسقطت نظامًا استمر 30 عامًا بالحديد والنار، وكانت التضحيات غالية جدًا دماء شباب وأمهات وآباء سالت في الشوارع لكنها أثبتت أن صوت الشعب إذا توحد يقدر يغير مجرى التاريخ.

سيظل هذا اليوم درسًا حيًا في قوة الاتحاد وصرخة كفاية من شعب قرر أن يصنع مصيره بنفسه ويرفض الظلم مهما طال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى