قالوا فاقد الشيء لا يعطيه، وقلت بل فاقد الشيء أحن من يعطيه.
فليس كلُّ من يمنح الأمان قد عاشه، وليس كلُّ من يزرع الطمأنينة وجدها في طريقه يومًا. في كثير من الأحيان، يكون أكثر الناس قدرةً على أن يكونوا مصدر دعم وسند حقيقي، هم أولئك الذين عاشوا زمنًا طويلًا وهم يفتقدون هذا السند. أولئك الذين تعلّموا الوقوف وحدهم، لا اختيارًا، بل لأن الحياة لم تمنحهم غير ذلك. العجيب أن الألم لا يصنع دائمًا القسوة، بل قد يصنع وعيًا. وقد يحوّل الإنسان من شخصٍ يبحث عن الاحتواء، إلى شخصٍ يُجيد الاحتواء ويمنحه بصدق. أكثر الناس إيمانًا بالآخرين، هم الذين ساروا في طرقهم مثقلين بالشكوك، ولم يجدوا من يؤمن بهم. وأكثر الناس قدرةً على التشجيع، هم الذين عرفوا معنى السير في الطريق دون تصفيق أو تقدير. القلوب المليئة بالرحمة لا تولد كذلك دائمًا؛ كثيرٌ منها تشكّل بعد خيبات متكررة، وبعد قسوة جاءت من القريب قبل الغريب، وبعد كلماتٍ كان ينبغي ألّا تُقال، لكنها قيلت وتركَت أثرها العميق. هناك أناس لم تمنحهم الحياة الأمان، فاختاروا أن يمنحوه هم لغيرهم. لم يجدوا من يربّت على أكتافهم في لحظات الانكسار، فصاروا هم الأكتاف التي يتكئ عليها الآخرون. فالألم، حين لا يكسر الإنسان، يعلّمه. يعلّمه كيف يكون لطيفًا دون ضعف، ورحيمًا دون تصنّع، وكيف يعطي دون أن يشعر من حوله بثقل عطائه. هناك من لم يصنع منهم الوجع ضحايا، بل صنع منهم ملجأً للآخرين. يمنحون الطمأنينة لأنهم جرّبوا الخوف، ويشكرون لأنهم عرفوا معنى عدم التقدير، ويختارون طيب القول لأنهم ذاقوا ألم الكلمة الجارحة وكسر الخاطر. لا يفعلون ذلك رغبةً في الإشادة، ولا انتظارًا لمقابل، بل لأنهم لا يريدون لأحد أن يعيش مرارة الوحدة، أو الغربة، أو الظلم، أو الإهمال كما عاشوها.
إن أطهر النفوس، النفس التي اختبرت الألم، فرغبت أن تُجنّب الآخرين مرارته. ليست هذه حكمة عابرة، بل وصفٌ دقيق لنفوسٍ نادرة، حوّلت الألم من عبءٍ إلى وعي، ومن جرحٍ إلى رسالة إنسانية صامتة. مُفتقِدُ الشيء لا يمنحه من فائض، بل يمنحه عن معرفة عميقة. يعرف جيدًا كيف يؤلم غيابه، وكيف يرمّم حضوره ما انكسر في القلوب. ولهذا، يكون عطاؤه صادقًا، وحضوره مطمئنًا، وكلامه موزونًا، وقلبه – رغم كل ما مرّ به – لا يزال صالحًا للحياة، وقادرًا على أن يمنحها للآخرين بكرمٍ وإنسانية.