زيارة محمد بن زايد إلى نيودلهي تؤكد تعمّق الشراكة الهندية مع الخليج وسط تحولات إقليمية

محمد شعيب
نيودلهي — شكّلت الزيارة الخاطفة التي قام بها رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الهند في 19 يناير مؤشرًا لافتًا على تنامي الدور الإقليمي للهند في الخليج والشرق الأوسط، وعلى متانة العلاقات الثنائية التي باتت تتجاوز الأطر البروتوكولية التقليدية نحو شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد.
ورغم أن الزيارة لم يُعلن عنها إلا قبل 24 ساعة، واستغرقت نحو ثلاث ساعات فقط، فإن نتائجها كانت واسعة النطاق، إذ شهدت توقيع اتفاقيات وخطابات نوايا في مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب مبادرات ثقافية وتعليمية. وتُعدّ هذه الزيارة الخامسة لمحمد بن زايد إلى نيودلهي خلال عشر سنوات، والثالثة منذ توليه رئاسة الإمارات عام 2022، في وقت زار فيه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الإمارات سبع مرات منذ عام 2015، ما يعكس مستوى غير مسبوق من التقارب السياسي.
وجاء توقيت الزيارة في ظل بيئة إقليمية مضطربة، مع تصاعد الحديث عن تحالفات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وتطورات أمنية تشمل توترات في غزة وإيران واليمن، فضلًا عن تقارب دفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا. وقد أثار توقيع خطاب نوايا لشراكة دفاعية استراتيجية بين الهند والإمارات تكهنات حول إعادة تشكيل محاور إقليمية. غير أن وزارة الخارجية الهندية أكدت أن الخطوة تمثل امتدادًا طبيعيًا للتعاون الدفاعي القائم، وليست ردًا مباشرًا على أي تطور إقليمي بعينه.
على الصعيد الاقتصادي، اتفق الجانبان على مضاعفة حجم التبادل التجاري إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2032، بعد أن تجاوز 100 مليار دولار في 2024–2025، مع تركيز متزايد على التجارة غير النفطية التي بلغت 36 مليار دولار. كما وُقّعت اتفاقية طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال، بموجبها ستزود شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) شركة النفط الهندية بنصف مليون طن سنويًا لمدة عشر سنوات بدءًا من 2028.
وشملت الاتفاقيات كذلك التعاون في التقنيات النووية المتقدمة، بما فيها المفاعلات الكبيرة والمفاعلات المعيارية الصغيرة، وإنشاء مجمع للحوسبة الفائقة في الهند، وافتتاح فروع لمؤسسات مالية ولوجستية إماراتية في ولاية غوجارات. كما اتفق الطرفان على تعزيز التعاون في قطاع الفضاء، ودراسة إنشاء سفارات رقمية، وتوسيع برامج تبادل الشباب، فضلًا عن إطلاق مشروع “بيت الهند” في أبوظبي كمركز ثقافي دائم.
ويرى مراقبون أن الزيارة، رغم طابعها الثنائي، تعكس توجّهًا أوسع للهند نحو تعميق انخراطها في الخليج والشرق الأوسط، ليس فقط كشريك اقتصادي رئيسي، بل أيضًا كفاعل استراتيجي في قضايا الأمن والاستقرار الإقليميين. وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبدو الشراكة الهندية–الإماراتية نموذجًا لعلاقات جنوب–جنوب آخذة في التوسع، تجمع بين المصالح الاقتصادية والطموحات التكنولوجية والتنسيق السياسي في بيئة دولية مضطربة.



