تقاريرسياحه وآثار

شقافة من الحجر الجيري تروي قصة تخطيط مقبرة ملكية

نصر سلامة

لم يكن بناء المعابد أو حفر المقابر لدى المصري القديم عملًا عشوائيًا أو خاضعًا للاجتهاد اللحظي، بل جاء ثمرة تخطيط علمي دقيق ودراسة مسبقة، عكست مستوى متقدمًا من المعرفة الهندسية والمعمارية. وتؤكد الشواهد الأثرية المكتشفة أن عملية التنفيذ كانت تسبقها مرحلة واضحة من الرسم والتصميم، وهو ما يتجلى بوضوح في أحد أهم الاكتشافات المرتبطة بالعمارة الجنائزية في عصر الدولة الحديثة.


فقد عُثر داخل مقبرة الملك رمسيس التاسع بوادي الملوك على رسم تخطيطي مبدئي «كروكي» منفذ على شقافة من الحجر الجيري، وُجدت ملقاة وسط الرديم داخل المقبرة نفسها، في دلالة تشير إلى استخدامها أثناء مراحل العمل الأولى ثم التخلي عنها بعد انتهاء دورها الوظيفي. ويُعد هذا الرسم من أقدم وأوضح الأدلة على اعتماد المصري القديم على التخطيط المسبق قبل البدء في الحفر والبناء.
ويعرض التصميم الخطوط العامة للمقبرة دون تفاصيل زخرفية أو نصوص دينية، ما يؤكد كونه مخططًا أوليًا يهدف إلى تحديد المسارات والمحاور الرئيسية. ويبيّن الرسم الدرج المؤدي إلى داخل المقبرة، والمنحدر المصاحب له، والذي أُعد بعناية لإنزال التابوت الملكي الضخم وما يصاحبه من الأثاث الجنائزي واللوازم الشعائرية، وهو عنصر معماري شديد الأهمية في المقابر الملكية.


كما يوضح الكروكي توزيع الأبواب والدهاليز، ومواقع الأعمدة والدخلات، إضافة إلى المنحدرات التي تقود إلى المستويات السفلية، وصولًا إلى غرفة الدفن النهائية. ويكشف الرسم كذلك عن إعداد منخفض خاص في أرضية غرفة الدفن لوضع التابوت، بما يضمن ثباته وحمايته، وهو ما يعكس فهمًا دقيقًا للوظيفة الجنائزية والرمزية للمكان.
وترجع هذه الشقافة المصنوعة من الحجر الجيري إلى نحو عام 1100 قبل الميلاد، أي إلى أواخر عصر الرعامسة، وهي معروضة حاليًا بالمتحف المصري، حيث تمثل وثيقة معمارية نادرة تفتح نافذة على كواليس العمل داخل ورش الحفر الملكية. كما تسلط الضوء على الدور المحوري للمهندسين والكتبة في تخطيط المقابر، وتؤكد أن العمارة الجنائزية المصرية لم تكن مجرد فراغات منحوتة في الصخر، بل مشروعًا متكاملًا يجمع بين العقيدة، والهندسة، والتنظيم الإداري.


ويُعد هذا المخطط دليلًا حيًا على أن مفهوم «التصميم المعماري» كان راسخًا لدى المصري القديم منذ آلاف السنين، وأن فكرة الخلود التي سعى إليها الملوك لم تبدأ عند جدران المقبرة المزخرفة، بل انطلقت أولًا من خطوط مرسومة على شقافة حجر، وضعت بعناية لتقود الروح في رحلتها الأبدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى