أخبارتحقيقات

جيل “التريند”: هل أصبحت الشهرة السريعة بديلة لقيمة العمل؟

محمد الشريف 

لو سألت طفلاً قبل عشرين عاماً: “ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟”، لكانت الإجابة محصورة بين طبيب، مهندس، أو رائد فضاء. أما اليوم، ففي ظل طغيان “تيك توك” وعالم الفيديوهات القصيرة، أصبحت الإجابة الأكثر رواجاً هي: “أريد أن أكون صانع محتوى” أو “بلوجر مشهور”. فما الذي حدث لمنظومة القيم في مجتمعنا؟ وهل نحن أمام كارثة مهنية قادمة تهدد مستقبل أجيالنا؟

1. سحر “اللايك” وبريق الثراء السهل

المشكلة تبدأ من الصورة الذهنية المتوهجة التي تصدرها منصات التواصل الاجتماعي. يرى الشاب والمراهق من هو في عمره وقد حقق شهرة واسعة وثراءً سريعاً، يمتلك سيارة فارهة ويسافر حول العالم، ليس لامتلاكه مهارة علمية نادرة بل فقط لأنه شارك في “تريند” ساخر.

هنا يحدث صدام عنيف داخل وعي الشاب: لماذا أقضي سنوات في التعليم والكدح، بينما يمكن لفيديو من 15 ثانية أن يمنحني ما لا تمنحه لي سنوات الدراسة؟ هذا التناقض يدفع الكثيرين للتخلي عن مسارات الجدية نحو سراب الشهرة الفورية.

2. انهيار مفهوم “الاستمرارية والجهد”

خطورة هذه الظاهرة تكمن في “استسهال النجاح”. العمل الحقيقي يتطلب صبراً وتعلماً مستمراً ومواجهة للفشل، بينما “خوارزميات” السوشيال ميديا قد ترفع شخصاً للقمة في ليلة وضحاها دون أي مهارة حقيقية. هذا الواقع خلق جيلاً لا يتقن “نفس الصبر”، ويريد نتائج فورية، مما يهدد إنتاجية المجتمع في المهن الحرفية والعلمية التي تُبنى على التراكم والدأب.

3. الفخ: ماذا بعد انطفاء الشاشة؟

ما لا يدركه الكثيرون أن عمر “التريند” قصير جداً. نحن نبني جيلاً يبحث عن شهرة مؤقتة أشبه بـ”الفقاعة”. فإذا انطفأ بريق هذه الشهرة، ولم يجد الشاب مهنة حقيقية يستند إليها، يقع في فخ الاكتئاب وضياع الهدف. نحن بصدد أزمة هوية؛ حيث تُقاس قيمة الإنسان بعدد المتابعين، وليس بما يقدمه من نفع حقيقي ملموس لمن حوله.

الخاتمة: إعادة ضبط البوصلة

نحن لا ندعو لمحاربة التكنولوجيا، بل لترشيد أحلامنا. يجب أن نرسخ في أذهان الأجيال الشابة أن الشهرة ليست مهنة، بل هي نتيجة لنجاح وتفوق في مجال حقيقي.

يجب أن نعيد للمجتمع هيبة “العمل الجاد”؛ فالمجتمع الذي يعيش على “المشاهدات” فقط هو مجتمع هشّ، بينما المهارة والعلم هما الأساس الذي تبنى عليه الأمم وتستقر به المجتمعات. التريند يزول، والعمل يبقى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى