
بقلم المفكر والأديب الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة:
تمرّ الأمة الإسلامية بمنعطفٍ تاريخي دقيق، تتداخل فيه التحديات السياسية مع الاقتصادية، وتتشابك فيه الأزمات الأخلاقية مع الفكرية. وفي خضم هذا المشهد المتقلب، يؤكد التاريخ والسنن الإلهية أن النهضة ليست مجرد خطط أو مشروعات، بل تبدأ من نقطة عميقة تُسمّى: الإرادة الجماعية.
إنها الإرادة التي تُوقظ النائم، وتُنهض العاجز، وتوحّد المختلف، وتوجّه الطاقات نحو هدف واحد: استعادة دور الأمة في حمل رسالة الحق والعدل والخير للعالم.
أولًا: معنى الإرادة الجماعية، وأهميتها:
الإرادة الجماعية هي: القرار المشترك الذي يصنعه العقل الجمعي للأمة، ويُترجم إلى أفعال متناسقة تهدف لتحقيق نهضة حضارية.
لا تنهض الأمم بإرادة فرد، مهما كان عظيمًا، بل تنهض حين تتحرك الملايين بروح واحدة. وقد قال تعالى:
> ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
وهذه الآية تُشير بوضوح إلى التغيير الجمعي، لا الفردي فقط.
*لماذا هي ضرورية؟:
_لأنها تمنح الأمة قدرة على تجاوز الاستسلام، والضعف.
_لأنها تُشكل الحاضنة الشعبية لأي مشروع إصلاحي.
_لأنها تُوحّد الهدف، وتمنع التشظي والانقسام.
_لأنها تمنح القيادة قوة الصمود، والاستمرار.
ثانيًا: معالم الإرادة الجماعية في التاريخ الإسلامي:
1. إرادة الهجرة.
هجرة النبي ﷺ وصحبه لم تكن قرارًا فرديًا، بل إرادة مجتمع كامل يبحث عن فضاء الحرية والكرامة. وهكذا قامت دولة المدينة.
2. إرادة الفتح:
في عهد الخلفاء الراشدين، تحولت الأمة إلى كتلة واحدة تتحرك بدافع الرسالة، فحققوا الفتوحات، ونشروا العدل، وأزالوا الطغيان من الأرض.
3. إرادة التحرير:
حين احتل الصليبيون القدس، لم يستطع فرد واحد تحريرها، لكن حين تشكّلت “إرادة الأمة” عبر العلماء، والدعاة ،والمجاهدين، جاء يوم صلاح الدين.
ثالثًا: التحديات التي تُضعف الإرادة الجماعية اليوم:
1. الإحباط العام وفقدان الثقة:
الحروب، الأزمات الاقتصادية، والفساد أدت إلى شعور عند كثيرين بأن “التغيير مستحيل”.
2. الانقسام الفكري، والاجتماعي:
وسائل التواصل، الإعلام الموجَّه، والأحزاب المتصارعة دفعت الأمة للتشتت بدل الوحدة.
3. غياب القدوة القيادية
ضعف القيادات التقليدية أوجد فراغًا في “رمزية النموذج”، فتراجع التأثير والجاذبية.
4. الاستبداد السياسي.:
الاستبداد يقتل روح المشاركة، ويُميت المبادرة، مما يُجمِّد طاقات الشعوب.
رابعًا: كيف نُعيد تشكيل الإرادة الجماعية في الأمة؟:
1. إعادة بناء الوعي:
لا إرادة بلا وعي.
يجب تجديد الخطاب الدعوي والتربوي ليكون واقعيًا، تحفيزيًا، ومرتبطًا بسنن الله في التغيير.
قال ابن تيمية: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة”.
2. دور العلماء والدعاة:
العلماء هم صُنّاع الإرادة. هم الذين يُوقظون الشعوب، ويحررون العقول، وينشرون الأمل، ويبددون الوهم.
3. إطلاق مبادرات اجتماعية واقتصادية:
النهضة تبدأ بخطوات صغيرة، محلية، متدرجة، لكنها مُستمرة.
مشاريع التكافل، الإصلاح الأسري، دعم التعليم، حماية الأخلاق… كلها تُشكل بنية “الإرادة الفاعلة”.
4. صناعة قدوات ملهمة:
يحتاج الناس لوجوه تثق بها وتقتدي بها.
الإعلام ينبغي أن يُعيد تقديم رموز الإصلاح والعلم والجهاد والبناء، بدل رموز اللهو والسطحية.
5. تعزيز المشاركة الشعبية
حين يشعر الناس أن صوتهم مسموع، وأن رأيهم مؤثر، يتحركون تلقائيًا نحو المساهمة في النهضة.
خامسًا: الأثر المتوقع عند عودة الإرادة الجماعية:
_إذا استيقظت إرادة الأمة، تغيّر كل شيء:
_تتحول حالة اليأس إلى أمل.
_يتراجع الظلم، ويتقدم العدل.
_تُستعاد روح الريادة والقيادة.
_يصبح التحرير، والبناء ،والنهوض هدفًا ممكنًا لا مجرد أمنية.
_وتبدأ الأمة في كتابة فصل جديد من تاريخها.
_وهنا تتحقق سنة الله في التغيير:
> ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾
خاتمة:
إن نهضة الأمة ليست مشروع حكومة، ولا برنامج حزب، ولا خطة مفكر واحد؛
إنها قرارٌ جماعي تصنعه الشعوب حين تعود إلى هويتها، وتستعيد وعيها، وتتوحد إرادتها على هدف واحد:
الحرية، العدل، الكرامة، وإحياء رسالة الإسلام للعالمين.
وحين يبزغ هذا الوعي ويكتمل هذا القرار، يبدأ التاريخ في التحرك من جديد…
وتنهض الأمة كما نهضت من قبل.
اللهم فرج كرب أهلنا في غزة والسودان يارب العالمين …ووسع عليهم في أرزاقهم يا كريم …اللهم امين.



