Uncategorizedأخبارعربية

وزيرة تخلع البروتوكول، ترتدي عباية سوداء، وتنزل السوق بين الناس، لتسمع نبض الشارع

شريف ابوالنور

في زمنٍ اعتاد فيه المواطن أن يرى المسؤول من خلف مكتب، جاء مشهد نزول الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي إلى أحد الأسواق الشعبية، مرتدية عباية سوداء وطرحة بسيطة، ليطرح سؤالًا أعمق من مجرد لقطة عابرة:
هل يمكن أن تُصاغ السياسات من قلب الشارع لا من خلف المكاتب؟
الوزيرة لم تعلن عن جولة تفقدية، ولم تمهد لزيارة رسمية. دخلت محل دواجن، طلبت «2 كيلو بانيه»، وجلست على كرسي تتابع حركة البيع والشراء. لم تكن تبحث عن صورة، بل عن إجابة. أمامها مشاهد تختصر واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا: سيدة تشتري هياكل فراخ، أخرى تحسب ثمن ربع كيلو، ورجل يكتفي بالكبد والقوانص لأن السعر تجاوز قدرته.
هنا يصبح السؤال مختلفًا.
لسنوات، ارتكز خطاب الحماية الاجتماعية على مفهوم «التمكين» باعتباره الطريق المستدام للخروج من دائرة الاحتياج. وهو توجه صحيح من حيث المبدأ؛ فالدعم الدائم قد يصنع اتكالية، بينما التمكين يصنع استقلالًا. لكن ماذا عن الإنسان الذي لا يجد ثمن وجبته اليوم؟ هل ينتظر برنامجًا تدريبيًا أو قرضًا صغيرًا ليأكل؟
العبارة المنسوبة للوزيرة — «الإنسان الجائع لا يمكن تمكينه» — ليست مجرد توصيف عاطفي، بل معادلة سياسية واجتماعية. فالأمن الغذائي ليس رفاهية، بل شرط أولي لأي عملية إصلاح أو تمكين اقتصادي. لا يمكن الحديث عن إنتاجية، أو دمج في سوق العمل، أو تدريب مهني، بينما الاحتياج الأساسي غير مُلبّى.
التحول المطروح داخل وزارة التضامن لا يعني هدم فلسفة التمكين، بل إعادة ترتيب الأولويات: دعم عاجل يضمن الحد الأدنى من الكرامة المعيشية، بالتوازي مع برامج طويلة الأمد تكسر دائرة الفقر. فالتوازن بين «الإغاثة» و«التمكين» هو التحدي الحقيقي.
غير أن الأهم من السياسات هو الرسالة.
نزول مسؤول إلى الشارع ليس بطولة في حد ذاته، لكنه مؤشر على إدراك فجوة قد تتسع بين صانع القرار والمواطن. التقارير تُظهر أرقامًا، لكن الأسواق تكشف قصصًا. والفرق بين الرقم والقصة هو الفرق بين المعرفة النظرية والفهم الإنساني.
يبقى أن نجاح أي مراجعة لن يُقاس بعدد التصريحات، بل بمدى انعكاسها على موائد البسطاء. فالمواطن لا يعنيه إن كانت الفلسفة «تمكينًا» أو «دعمًا مباشرًا» بقدر ما يعنيه سؤال واحد:
هل أستطيع أن أؤمّن احتياجات أسرتي بكرامة؟
في النهاية، قد يكون المشهد الأهم ليس وزيرة بعباية في سوق شعبي، بل اعترافًا ضمنيًا بأن السياسات الاجتماعية لا تُختبر في القاعات المغلقة، بل بين الناس… حيث الحقيقة أبسط، وأقسى، وأوضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى