مقالات

بين النصوص والواقع:هل تحل البركة فى بيوت امتلأت اصحابها بقطع الأرزاق

 

كتب رفيق عبد الفضيل

في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات الدينية على الألسنة، وتغيب فيه القيم عن كثير من السلوكيات، يبرز سؤالٌ صادم يفرض نفسه بقوة: إذا كانت النصوص تعلمنا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة، فهل يمكن أن تحلّ البركة في بيتٍ امتلأ بالحقد والغل وامتهن ظلم العباد وقطع الأرزاق؟ سؤال يتجاوز ظاهر النصوص إلى جوهر المعاني، ويعيد طرح قضية الأخلاق قبل المظاهر، والقلوب قبل الجدران.

تؤكد النصوص النبوية الصحيحة، كما ورد في صحيح صحيح البخاري وصحيح صحيح مسلم، أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة، وهو توجيه نبوي يحمل دلالات تتعلق بالطهارة والانضباط والالتزام بأوامر الشرع. غير أن علماء الدين عبر العصور شددوا على أن جوهر الرسالة الإسلامية لا يقف عند حدود المظاهر، بل يتجاوزها إلى صلاح القلوب ونقاء السرائر.
فكيف يستقيم أن ينشغل البعض بمظاهر شكلية، بينما تمتلئ القلوب بالحقد والغل والسعي لإيذاء الآخرين؟ وكيف تُرجى البركة في بيتٍ تُقطع فيه الأرزاق ظلمًا، وتُخرب فيه البيوت بدافع الهوى أو المصالح الشخصية؟

إن الظلم، بنصوص القرآن والسنة، من أعظم الذنوب وأشدها خطرًا. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة المظلوم، مؤكدا أنها ليس بينها وبين الله حجاب. كما أن قطع الأرزاق والسعي في خراب البيوت يُعد اعتداءً مباشرًا على مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ النفس والمال والعرض.
ويرى مختصون في الشأن الديني أن التدين الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر وحدها، بل بمدى التزام الإنسان بقيم العدل والرحمة والإنصاف. فالقلب إذا اسودّ بالحقد، وفاض بالغل، وأصرّ على ظلم الناس، فقد فقد أهم شروط الطهارة المعنوية، وهي أساس كل بركة وسكينة.

ويبقى السؤال مطروحًا أمام كل نفس: أيهما أولى بالتطهير؟ الجدران أم القلوب؟ الصور المعلقة أم الأحقاد المخزونة؟ إن إصلاح الداخل هو الطريق الأصدق لإصلاح الخارج، وإن العدل بين الناس وردّ الحقوق إلى أصحابها هو السبيل الحقيقي لنزول الرحمة وحلول البركة.

وفي النهاية، فإن الرسالة الأعمق لا تتعلق بدخول الملائكة بيتًا من عدمه، بل بدخول النور إلى القلوب، وخروج الظلم منها، حتى تستقيم الحياة على ميزان الحق والعدل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى