نتنياهو بين أسطورة الخلاص وحرب المصير

كتب/ماجد شحاتة
تتصاعد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، وفي خضم الحرب الجارية بين إسرائيل وإيران، سردية تعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يدير معركة عسكرية فحسب، بل يخوض ما يراه «حرب خلاص» ذات أبعاد دينية وتاريخية، تستند – وفق هذا الطرح – إلى رموز توراتية وقصص من العهد القديم، وفي مقدمتها قصة الملكة استير.
السردية الدينية: من استير إلى البوريم
تعود القصة إلى سفر استير في التوراة، حيث تتدخل الملكة استير لدى الملك أحشوروش لإنقاذ اليهود من مؤامرة الوزير هامان الذي سعى – بحسب الرواية – إلى إبادتهم في مملكة فارس. وتنتهي القصة بإعدام هامان ونجاة اليهود، ثم الاحتفال بعيد عيد البوريم تخليدًا لهذا «الخلاص».
تُسقط بعض التحليلات هذه الرمزية على الواقع السياسي الراهن، فتقارن بين استير ونتنياهو، وبين أحشوروش والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبين هامان والمرشد الإيراني علي خامنئي، معتبرة أن الحرب الحالية تُقرأ ضمن إطار «الخلاص من فارس» قبل حلول عيد البوريم، في تزامن رمزي يضفي على الصراع بعدًا عقائديًا.
غير أن هذه القراءة، رغم حضورها في خطاب بعض التيارات الدينية والقومية، تبقى تفسيرًا أيديولوجيًا للواقع، وليست إعلانًا رسميًا معلنًا من الحكومتين المعنيتين.
نتنياهو: بين السياسة والعقيدة
يُعرف نتنياهو، البالغ من العمر 76 عامًا، بخطابه الذي يمزج بين الأمن القومي والسرديات التاريخية لليهود. وقد دأب في مناسبات عدة على استحضار مفاهيم «التهديد الوجودي» و«عدم السماح بتكرار المحرقة»، ما يمنح معاركه السياسية والعسكرية طابعًا مصيريًا.
أنصاره يرونه رجل المرحلة القادر على تنفيذ الرؤية الصهيونية الصلبة، مستندًا إلى شبكة علاقات متينة داخل واشنطن، خصوصًا خلال ولاية ترامب، حين بلغت العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية مستوى غير مسبوق من التنسيق السياسي والعسكري. في المقابل، يعتبره خصومه سياسيًا براغماتيًا يوظف الرموز الدينية لتعزيز موقعه الداخلي، لا أكثر.
الفترات البديلة: تجربة كاحول لافان
خلال فترة حكومة كاحول لافان، التي ضمت شخصيات مثل نفتالي بينيت، اتسم المشهد الإقليمي بقدر أكبر من الهدوء النسبي، وشهدت العلاقات الإقليمية انفتاحًا ملحوظًا، من بينها زيارة بينيت إلى مصر عام 2021، في سياق سياسة ركزت على التطبيع الإقليمي وإدارة الصراع بدل تفجيره. غير أن عودة نتنياهو إلى الحكم أعادت أولوية الملف الإيراني إلى صدارة المشهد.
البعد الأمريكي والجدل داخل الجيش
تزامن التصعيد مع تقارير إعلامية أمريكية، بينها ما نشره الصحفي جوناثان لارسن، نقلًا عن شكاوى وثقتها مؤسسة Military Religious Freedom Foundation، تحدثت عن خطابات دينية متشددة داخل بعض الوحدات العسكرية الأمريكية، تربط المواجهة مع إيران بسرديات «نهاية الزمان» الواردة في سفر الرؤيا.
ووفق تلك الشكاوى، أُبلغ جنود في أكثر من 30 منشأة عسكرية برسائل ذات طابع ديني تفسر الصراع باعتباره جزءًا من خطة إلهية. ولم يصدر تعليق رسمي حاسم من وزارة الدفاع الأمريكية يؤكد أو ينفي تلك المزاعم، ما أبقى الجدل في إطار السجال الإعلامي والسياسي.
بين العقيدة والمصلحة
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تُدار الحروب بدوافع دينية صِرفة، أم أن الدين يُستخدم كرافعة تعبئة سياسية ومعنوية؟
التاريخ الحديث يشير إلى أن القرارات الكبرى في الدول تُبنى أساسًا على حسابات القوة والمصالح والاستراتيجية، حتى وإن جرى تغليفها بخطاب ديني أو رمزي. وفي الحالة الإسرائيلية، يبقى التهديد الإيراني – خصوصًا في ما يتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي – عنصرًا أمنيًا حاضرًا بقوة في كل التقديرات، بصرف النظر عن التأويلات التوراتية.
ختاماً
سواء صحت قراءة «استير المعاصرة» أم بقيت في إطار الخطاب الرمزي، فإن ما يجري اليوم يتجاوز الأساطير إلى واقع إقليمي معقد تتشابك فيه العقيدة بالسياسة، والمصالح بالهويات.
وفي نهاية المطاف، فإن اختزال الصراع في نبوءة دينية أو شخصية مخلِّصة قد يُغفل حقيقة أن الحروب، مهما تلحفت بالرموز، تظل صراعات بشرية تُقاس نتائجها بميزان القوة، لا بانتظار معجزة التاريخ.



