
الدكتور أحمد علي عطية الله
نكملة الفصل الثانى
دوره فى حرب يونيو 1967:
بعد عودة الشاذلى عام 1966 من اليمن عمل بهيئة التدريب .. كان كل اهتمام الناس فى ذلك الوقت منصب على حرب اليمن حيث يوجد هناك جانب كبير من قواتنا المسلحة ، ولم يكن يلوح فى الأفق أى شئ ينذر بحرب مع إسرائيل .. إستمر هذا الحال حتى شهرى مارس و ابريل من عام 1967 نفسه ، وتواردت بعض الأخبار من تلك الفترة قبيل حرب يونيو 1967 أن المشير عبد الحكيم عامر نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والقائد العام للقوات المسلحة والمسيطر على وزارة الحربية التى يرأسها شمس بدران سكرتيره السابق كان فى زيارة للهند وباكستان وأرسل من هناك اشارات مفتوحة بتهديد إسرائيل وتوعدها .. كان الشاذلى فى ذلك الوقت برتبة اللواء ولكنه كان بعيداً عن المطبخ العسكري لصناعة الأحداث ووضع الخطط فيتذكر أنه وردت أخبار عن حشود ‘اسرائيلية ضد سوريا ، وأرسل عبد الناصر الفريق محمد فوزى الذى كان يشغل وقتها رئيس الأركان الى هناك للتأكد من صحة هذه الأنباء .. وكانت حرب يونيو مفاجأة للغالبية العظمى من ضباط وجنود القوات المسلحة والوقت لم يكن مناسباً لخوضها .. فلم يكن من المنطقى خوض حرب ضد إسرائيل وهى ليست بالعدو الهين وجانب كبير من قواتنا المسلحة باليمن .. لم يكن من المنطقى خوض حرب على جبهتين إلا إذا اضطررنا لذلك .. وعلى ذلك فكان فتح جبهة قتال جديدة مع إسرائيل فى ذلك التوقيت خطأ عسكرى وخطأ سياسى .
جاء التصعيد فى نهاية شهر إبريل وخلال شهر مايو 1967 سريعاً.. وجاء الحشد على شكل مظاهرة عسكرية متوجهة الى سيناء .. وجائت خطة الحشد مضطربة أحيانا تبدو هجومية ودفاعية فى أحيان اخرى ..
دعى الشاذلى الى القيادة فى النصف الأخير من مايو 1967 وكلف بقيادة وحدة عسكرية جديدة من القوات الخاصة قوامها كتيبة مشاة ، وكتيبة صاعقة وكتيبة دبابات عرفت بإسم ” مجموعة الشاذلى ” .. تتبع قائد منطقة سيناء مباشرة الفريق صلاح محسن فى ذلك الوقت .. وشعر بالتخبط الذى تعانيه القيادة من واقع تكليفاته بالتحرك فى سيناء فكان يؤمر بالتحرك الى موقع فى الشمال ثم يؤمر بعدها يابتحرك الى موقع أخر بعيدا عنه وهكذا خلال فترة قصيرة حتى أنه جاب سيناء ذهابا وعودة مما سبب ضررا على كتيبة الدبابات المرافقة له بسيرها على +-الجنزير كل هذه المسافات نتيجة لتغير المهام المكلف بها حوالى 4 مرات خلال 10 أيام .. وكانت المهمة الأخيرة له التى افتتحت الحرب بعدها هى حماية وحراسة المنطقة الشرقية من سيناء الواقعة بين المحورين الأوسط والجنوبى من محاور سيناء الثلاثة الرئيسية وعلى بعد 30 كيلو من الحدود الدولية لفلسطين المحتلة وعن مجريات حرب يونيو كما شاهدها الفريق سعد الدين الشاذلى فيذكر أنه شاهد يوم الرابع من يونيو 1967 جاءه ضابط إتصال ليخبره إنه مطلوب يوم الغد فى تمام الساعة الثامنة صباحا ليكون ضمن القادة الذين سيلتقى بهم المشير عبد الحكيم عامر بمطار فايد ، وكان الشاذلى أبعد هؤلاء القادة عن مكان اللقاء وليس قريبا من طرق الممهدة فأخبروه أنه ستكون هناك طائرة هليكوبتر فستأتى لنقله الى هناك فى تمام الساعة السادسة من صباح الغد ,, وبالفعل حضرت الهليوكوبتر وأقلته الى موقع الاجتماع حيث قابل حوالى 7 أو 8 من القيادات وهم قادة الفرق الموجودة بسيناء وقائد الجبهة وبعض معاونيهم .. وبينما القادة يحيون بعضهم بأحاديث ودية فى إنتظار المشير ورد الى مسامعهم صوت انفجار شديد تلاه إنفجار آخر وبتحققهم مما حدثوجدوا أن المطار الموجودين به يتعرض لقصف طائرات العدو .. مما وضع العديد من علامات الاستفهام حول توقيت بدء الضرب فى الوقت الذى لم يكن قائدا واحدا فى موقعه بين قواته .. والمشير عامر بالجو وطبقا للتقاليد يوجد تقييد لوسائل الدفاع الجوى عن العمل طالما طائرة المشير بالجو .. وعن طريق الاتصالات ابلغوا أن جميع القواعد الجوية المصرية تتعرض للقصف وليس مطار فايد وحده وعلموا أن المشير عاد مرة أخرى بعد علمه بضرب المطارات ، وبدأ القادة بفكروا فى العودة الى وحداتهم بسيناء وبالفعل بدأ القادة في العودة بسياراتهم العسكرية فى حين كان من الصعب على الشاذلى العودة بطائرته الهليوكوبتر فى ظل السيادة الجوية الإسرائيلية لمسرح القتال .. لذلك قرر الركوب بسيارة أقرب القادة لموقعه وكان قائد الفرقة الثانيى اللواء عثمان نصار .. وحتى تلك اللحظة لم يكن قد تكشف للشاذلى حجم الكارثة التى حدثت بالقوات الجوية .. وبالفعل بعد وصول قائد الفرقة الثانية نصار الى موقعه سمح للسيارة أن تكمل لتوصيل الشاذلى الى وحدته ، وأثناء الطريق شاهد الشاذلى طائرات العدو الاسرائيلى تجوب سماء سيناء بدون أى تواجد للمقاتلات المصرية .. ووصل الشاذلى الى مثر قيادته المتقدم قبل مغرب ذلك اليوم الخامس من يونيو عام 1967 بحوالى الساعتين وحتى ذلك الحين لم تخترق اية قوات اسرائيلة برية المنطقة المتمركزة بها قوات الشاذلى .. وإن علم بعد ذلك فى هذا التوقيت كان هناك هجوما بريا للقوات الاسرائيلية على المحور الشمالى القادم من رفح الى العريش بحاذاة الساحل الشمالى .. وبعد وصول الشاذلى لمقر قيادته وجد جميع أفراد وحدته على على أشد درجات الاستعداد فحاول الأتصال بقيادة سيناء لاسلكيا للتنسيق معها فوجد الاتصال مقطوعاً .. حاول الاتصال بالقيادة الأعلى وهى القيادة العامة فلم يتم الاتصال .. وحينئذ جائت طائرات العدولاستطلاع وحدته والاغارة عليهم وكان قد علم أن طائرات العدو قد سبق لها استطلاع وحدته من قبل أثناء وجوده بالاجتماع الذى دعى اليه ولم يسفر القصف الجوى الاسرائيلى عن خسائر تذكر .. ونتيجة لأنقطاع الاتصالات بالقيادة ولحاجته لمعرفة مايدور إضطر لأستخدام الراديو لسماع محطات العدو التى وجدها تصدر بيانات بدت له خطبرة وهى اعلانها دخول رفح وتقدمها نحو العريش ومطالبة أهالى العريش برفع الرايات البيضاء .. كان الشاذلى فى عزلة تامة .. لااتصال بيته وبين أى وحدات مصرية مجاورة .. ولا يشاهد العدو البرى فى محيطه .. فكان عليخ وحده اتخاذ القرار .. اصبح العدو الرئيسى للشاذلى هو طيران العدو فى تلك المنطقة المكشوفة المتمركزة بها قواته .. وبدراسة خريطة المنطقة وجد منطقة جبلية فى مواجهته داخل الأراضى الفلسطينية فأخذ قرارا بالتحرك بقواته شرقا نحو الحد الحدود لمسافة 20 كيلو مترا فى الأراضى المصرية حتى خط الحدود لخمسة كيلو مترات داخل فلسطين حتى وصل الى لهذه المنطقة الجبلية واحتمى بقواته بها . قبيل الغروب . ولم تتعدى خسائر ذلك اليوم إستشهاد جنديين جراء غارتى العدو قبل تحركه الى الموقع الجديد .. داخل فلسطين محتميا بباطن الجبل بحيث يصعب على طائرات العدو اكتشافه .. ومرت ليلة 5 يونيو على الشاذلى ورجاله وأقبل يوم السادس من يونيو وفشل الشاذلى من الاتصال بأى قيادة مصرية ، وفى نفس الوقت يواصل راديو العدو نقل الأخبار السيئة عن وضع الجيش المصرى بسيناء .. فاضطر الشاذلى بتكليف أحد ضباط اتصاله بالتوجه الى الاراضى المصرية لتحقيق الاتصال بالقيادة ومعرفة طبيعة الموقف وماهو المطلوب منهم .. ومضى اليوم بأكمله دون رد أو عودة هذا الضابط ولم يعرف مصيره وان قامت طائرات العدو باستطلاع موقعه خلال ذلك اليوم وان لم تتمكن من اصابة قواته .. وجاء يوم السابع من يونيو (وهو اليوم الثالث للشاذلى وقواته داخل الأراضى الفلسطينية) .. وحدثت بعض المناوشات بين قوات الشاذلى وبين بعض وحدات العدو البرية حيث تبادلوا القصف لبعض الوقت دون حدوث خسائر فى قواته .. وعند العصر تقريباً حدث اتصال بينه وبين القيادة العامة التى أعتقدت أن أنه لايزال فى موقعه بسيناء يطالبون بسرعة العودة بقواته لأن الأوامر صدرت لجميع القوات بسيناء بالانسحاب ويجب عليه تنفيذ هذا الأمر فوراًلأن العدو خلفه .. وأجابهم الشاذلى بأنه سينفذ الأمر ولكنه بحنكة وخبرة القائد قرر ألا يعود فى وضح النهار لما فى ذلك من حطورة على قواته من طائرات العدو التى تملك السيادة الكاملة على سماء سيناء .. وعندما دخل ليل ذلك اليوم بدأ الشاذلى بالتحرك بقواته غربا صوب قناة السويس بكل رباطة جأش انعكست على هدؤ وتماسك قواته .. وتحاشى السير فى الطرق الرئيسية والأسفلتية .. ساعده على ذلك أن تلك الليلة كانت قمرية .. ومع فجر اليوم التالى الصامن من من يونيو كان قد قطع نصف المسافة حوالى 110 كيلومتر ولم يبق بينه وبين شرق الاسماعيلية سوى 80 كيلو متر وحتى ذلك الحين لم تعترض طريفه أى قوات للعدو .. ومغ أول ضوء من يوم التاسع من يونيو بدأ يتعرض لأغارات طائرات العدو فحدثت أكبر نسبة خسائر لديه خلال هذه التسعون كيلو متر الأخيرة حتى قناة اليوبي شرق الاسماعيلية ، فكان تركيز الطائرات المعادية فى البداية على الدبابات ثم عربات الشؤن الادارية المحملة بالذخائر والذى أحدث تفجيرها إصابات فى العربات المجاورة .. إى أن وصل الشاذلى بوحدته الى المعبر شرق القناة فى غروب ذلك اليوم وكانت آخر وحدة عسكرية متماسكة تعبر غرباً وبعدها نسفت وحدات المهندسين المصرية تلك المعابر.. فكان اجمالى خسائر الشاذلى من 15 – 20 % من وحدته وإن كان معظم هذه الخسائر من الدبابات التى فقدت حوالى 80% من قوتها ، وبمجرد وصوله الى الضفة الغربية جائته إشارة من القيادة بواسطة ضابط اتصالات بحل وحدته وعودة كل جماعة الى السلاح الذى تتبعه .. مشاة: وصاعقة ، ومدرعات .. وهنا انتهت قيادة الشاذلى لتلك الوحدة حتى كلف بقيادة لواء مشاة غرب القناة يوم 10 يونيو لمنع أى محاولة لعبور العدو إلى غرب القناة .. وعن تقيم الشاذلى لحرب 1967 يرى فى شهادته على العصر أن الأخطاء السياسية ومنها فتح جبهة مع اسرائيل فى وقت كان جانباً كبيرا من قواتنا المسلحة لازال باليمن مما ادى بلا شك الى الهزيمة .. وحتى لو كانت القيادة السياسية متمصلة فى فى عبد الناصر كان غرضها حشد الجيض فى سيناء كمظاهرة عسكرية لردع اسرائيل وجعلها تخفف ضغطها وحشدها على سوريا .. ينبغى أن يكون فى أتم الاستعداد من تحول المظاهرة الى معركة حقيقية وهذا مافعله الطرف الآخر ..
وبحساب المكسب والخسارة لحرب 1967 نجد أنه بالرغم من ان اسرائيل حققت نصراً عسكريا ساحقا مكنها بعد الاستيلاء على سيناء من وضع قواتها على الضفة الشرقية للقناة إلا أن هذا النصر لم يصحبه أى مكسب سياسى .. فهو لم يضعف أو يحطم الارادة المصرية سواء للشعب أو القيادة المصرية .. ولم يستطع العدو فرض إرادته السياسية وهى الهدف من أى حرب عسكرية ..



