أدبأسرةدينشعرمقالات

الحلقة الثالثة والعشرون من ” سلسلة قلوب على مائدة القرآن في رمضان”

بعنوان : "محاسبة النفس ميزان القبول بعد العطاء".

بقلم : الدكتور  / عيد كامل حافظ النوقي.

ها هو رمضان يوشك أن يطوي صفحاته، وقد امتلأت أيامه بالطاعات: صيام، وقيام، وتلاوة قرآن، وصدقات، ودموع في الأسحار.
لكن السؤال الذي يقف أمام كل قلب صادق هو:
هل قُبلت أعمالنا أم رُدت علينا؟.
إن العبرة في الإسلام ليست بكثرة العمل فقط، بل بقبوله عند الله.
ولذلك كان السلف الصالح يخافون من ردّ العمل أكثر مما يخافون من التقصير فيه.
ولهذا كانت محاسبة النفس بعد مواسم الطاعة ميزانًا دقيقًا يعرف به المؤمن مكانه عند الله.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
(سورة الحشر: 18)
قال الإمام ابن كثير:
أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم القيامة.
(تفسير ابن كثير، 1420هـ)

أولًا: محاسبة النفس طريق النجاة:
المؤمن الصادق لا يكتفي بالطاعة، بل يسأل نفسه دائمًا:
هل كان عملي خالصًا لله؟
هل وافق السنة؟
هل تغيرت حياتي بعد الطاعة؟
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا.”
(رواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس)
وقال الحسن البصري:
“لا يزال المؤمن بخير ما كان له واعظ من نفسه.”،(ابن الجوزي، صفة الصفوة)

ثانيًا: الخوف من عدم القبول سمة الصالحين:
رغم عظيم أعمالهم، كان الصحابة يخافون من رد أعمالهم.
قال تعالى عن الصالحين:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
(المؤمنون: 60)
فسألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ:
“أهم الذين يسرقون ويزنون؟”
فقال ﷺ:
“لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل منهم.”،(رواه الترمذي).
قال الإمام القرطبي:
المؤمن يجمع بين الإحسان والخوف من عدم القبول،(الجامع لأحكام القرآن).

ثالثًا: لماذا تُردّ الأعمال؟:
ذكر العلماء أسبابًا كثيرة لرد الأعمال، منها:
1)الرياء:
قال النبي ﷺ:
“إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر.”
قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: الرياء”،(رواه أحمد).
2)عدم الإخلاص:
قال تعالى:
﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾،(البينة: 5).
3)مخالفة السنة:
قال ﷺ:”من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.”،(رواه مسلم).
قال الإمام الشافعي:
“لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا؛ خالصًا لله وصوابًا على السنة.”
(البيهقي، شعب الإيمان)

رابعًا: علامات قبول العمل بعد رمضان:
ذكر العلماء علامات لقبول الطاعة، منها:
1) الاستمرار في الطاعة:
قال بعض السلف:
“ثواب الحسنة الحسنة بعدها.”
2)زيادة التواضع والخشية:
3)البعد عن المعصية:
4)الشعور بالتقصير:
قال ابن القيم:
“من علامات قبول الطاعة أن يوفق العبد لطاعة بعدها”،(مدارج السالكين)،

خامسًا: قصة مؤثرة في محاسبة النفس:
يروي الإمام ابن الجوزي أن رجلاً من الصالحين بكى ليلة العيد، فسأله ابنه:
لماذا تبكي يا أبي والناس يفرحون؟
فقال:
يا بني… إنما العيد لمن قُبل عمله،
وأنا لا أدري هل قبل الله صيامي أم رده علي.
ثم قال:
كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش،(ابن الجوزي، التبصرة)
وهكذا كان السلف ينظرون إلى الطاعة بعين الخوف والرجاء.

سادسًا: محاسبة النفس في حياتنا اليوم:
نحن اليوم نحتاج إلى محاسبة النفس أكثر من أي وقت مضى.
نسأل أنفسنا:
هل غيرنا رمضان؟
هل أصبحنا أقرب إلى القرآن؟
هل تحسنت أخلاقنا؟
هل تركنا ذنوبنا؟
فليست المشكلة أن ينتهي رمضان…
المشكلة أن تنتهي علاقتنا بالله بعد رمضان.

سابعًا: أبيات شعر :
يا نفسُ ويحكِ توبي قبل أن ترحلي
فالدهر يمضي سريعًا دونما مهلِ
كم ليلةٍ ضاع فيها العمرُ في غفـلٍ
والقلبُ غافٍ ودمعُ الخوفِ لم يَسِلِ
أين الدموعُ التي سالت بأسحـرِه
وأين وعدُكِ أن تبقي على العملِ
رمضانُ قد كان نورًا في مسالكنا
فهل نحافظُ بعد الصومِ في الأجلِ
إن القبولَ سرٌّ عند خالقنا
فاسأليه بصدقٍ خاشعٍ وجِلِ
واجب عملي:
بعد رمضان، اجعل لنفسك برنامج محاسبة يومي:
خمس دقائق قبل النوم لمراجعة يومك.
الاستغفار عن التقصير.
تثبيت عبادة ثابتة بعد رمضان (قيام ركعتين، أو ورد قرآن).
كتابة ذنب تريد التخلص منه نهائيًا.
وصية:
تذكر دائمًا:
ليست العبرة أن تعمل الطاعة…
بل أن يكتب الله لك قبولها.
فاجعل بينك وبين الله أعمالًا خفية لا يعلمها أحد.
الخاتمة :
رمضان مدرسة إيمانية عظيمة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعده.
فمن حافظ على الطاعة بعد رمضان فقد ربح،
ومن عاد إلى المعصية فقد خسر فرصة عظيمة.
قال بعض السلف:
“كونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين.”
فاجعل قلبك متعلقًا بالله في كل الأيام،
وليس في رمضان فقط.
واسأل الله دائمًا:
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم فرجا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى