والله لسه بدري يا شهر الصوم

بقلم / نهاد عادل
مع اقتراب الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يتسلل إلى القلوب شعور غريب يجمع بين الامتنان والحزن. امتنان لأننا عشنا أيامًا مباركة امتلأت بالعبادة والسكينة، وحزن لأن ضيفًا عزيزًا أوشك على الرحيل. وبين هذين الشعورين يردد كثيرون عبارة صادقة من القلب: «والله لسه بدري يا شهر الصوم».
رمضان ليس مجرد شهر في التقويم الهجري، بل حالة روحانية يعيشها المجتمع بأكمله. فمنذ لحظة ثبوت الهلال تتغير ملامح الحياة؛ تمتلئ المساجد بالمصلين، وتزدحم موائد الإفطار بالعائلة والأصدقاء، وتعلو أصوات الدعاء في ليالي السكينة. وفي هذه الأجواء يشعر الإنسان أن الوقت يمضي سريعًا، وكأن الأيام المباركة تفرّ مسرعة.
ومع دخول العشر الأواخر، يتضاعف الإحساس بقيمة اللحظات. فهذه الأيام تحمل أعظم الليالي، وفيها يسعى المؤمنون إلى الاجتهاد في العبادة والصدقات وصلة الرحم. وهنا يدرك الكثيرون أن رمضان لم يكن مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل كان مدرسة للروح، وفرصة لمراجعة النفس وإعادة ترتيب الأولويات.
لكن اقتراب نهاية الشهر يذكّرنا أيضًا بأن العبرة ليست بانقضاء الأيام، بل بما نتركه في نفوسنا من أثر. فالقيم التي تعلمناها في رمضان—من الصبر، والتكافل، والرحمة—لا ينبغي أن تنتهي مع آخر يوم فيه، بل يجب أن تمتد لتصبح أسلوب حياة.
ولهذا، حين يردد الناس بحنين: «والله لسه بدري يا شهر الصوم»، فإنهم لا يعبّرون فقط عن رغبتهم في بقاء الشهر، بل عن تعلقهم بتلك الروح الجميلة التي صنعها رمضان في القلوب والبيوت والشوارع.
وما بين دعاء الوداع واستقبال عيد الفطر، يبقى الأمل أن نخرج من رمضان وقد أصبحنا أقرب إلى الخير، وأكثر قدرة على الحفاظ على تلك الروح التي جعلت هذا الشهر مختلفًا عن كل شهور العام.



