
بعنوان : الوعد الآخر في سورة الإسراء: هل تشير الآيات إلى نهاية الطغيان في آخر الزمان؟”.
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة : حين يتحدث القرآن عن المستقبل:
من أعظم خصائص القرآن الكريم أنه لا يكتفي بذكر الماضي، بل يكشف سنن الله التي تحكم حركة التاريخ. ومن الآيات التي أثارت اهتمام المفسرين عبر القرون ما ورد في مطلع سورة الإسراء عن فساد بني إسرائيل مرتين، وما يعقبه من عقوبات إلهية.
وقد تساءل العلماء:
هل انتهى الوعدان تاريخيًا؟ أم أن الوعد الآخر قد يمتد أثره إلى مراحل لاحقة من التاريخ؟:
هذا المقال يحاول قراءة الآيات قراءة علمية تفسيرية في ضوء أقوال العلماء، والسنن الربانية.
أولاً: نص الآيات التي تتحدث عن الوعد الآخر:
قال الله تعالى:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾،(الإسراء:4).
ثم قال سبحانه:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾،(الإسراء:7).
هذه الآيات تشير إلى فسادين كبيرين يعقبهما عقاب إلهي شديد.:
ثانياً: تفسير المفسرين للفساد الأول والثاني:
اتفق جمهور المفسرين على أن الفسادين قد وقعا في التاريخ.
قال ابن كثير في تفسيره:
المراد بالإفسادين ما وقع منهم من المعاصي العظيمة وقتل الأنبياء والطغيان في الأرض.
(ابن كثير :، 1999م،ج5,ص64).
ويرى كثير من المؤرخين أن العقوبة الأولى وقعت عندما دمر ملك بابل نبوخذ نصر القدس.
أما العقوبة الثانية فربطها بعض المفسرين بالغزو الروماني للقدس سنة 70م.
قال الطبري في جامع البيان :
بعث الله عليهم من سلطهم عليهم جزاءً لفسادهم.
(الطبري : 2001م،ج17,ص429).
ثالثاً: معنى “الوعد الآخر”:
العبارة القرآنية ﴿وعد الآخرة﴾ تعني عند كثير من المفسرين الوعد الثاني بالعقوبة.
قال ابن عاشور في التحوير والتنوير :
المراد بوعد الآخرة الوعد الثاني الذي يكون بعد رجوعهم إلى الفساد.
(ابن عاشور : 1984م،ج15,ص104).
ويشير إلى أن الآيات تقرر سنّة تاريخية لا مجرد حادثة.
رابعاً: سنّة قرآنية في سقوط الطغيان:
القرآن يقرر قاعدة واضحة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
كما قال سبحانه:﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ
إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾.
وهذه السنة تكررت في تاريخ أمم كثيرة مثل:
قوم نوح
قوم عاد
قوم ثمود
فرعون فرعون مع موسى
فكل طغيان يبلغ ذروته يعقبه سقوط مفاجئ.
خامساً: العلاقة بين الإفساد والعلو:
لاحظ القرآن أنه ربط بين شيئين:
الفساد
العلو والاستكبار
قال تعالى:
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾
قال الزمخشري في الكشاف:
العلو هو التكبر والطغيان واستعمال القوة في الظلم.
(الزمخشري :1996م،ج2,ص657).
وهذا يفسر أن القوة إذا انفصلت عن الأخلاق تتحول إلى فساد عالمي.
سادساً: هل للآيات دلالات ممتدة عبر التاريخ؟:
بعض العلماء المعاصرين يرون أن الآيات تحمل دلالة تاريخية متجددة.
أي أن فساد الأمم يتكرر، وكذلك عقوبتها.
قال محمد الطاهر ابن عاشور في التحوير والتنوير :
المقصود من القصة الاعتبار بسنن الله في الأمم، وأن الفساد يعقبه زوال السلطان.
(ابن عاشور :1984م،ج15,ص110).
سابعاً: نهاية بني إسرائيل في آخر الزمان بين دلالة النص وسنن التاريخ:
يُعدّ هذا المحور من أكثر القضايا إثارة
هل تشير آيات سورة الإسراء إلى نهاية ممتدة لبني إسرائيل في آخر الزمان؟.
1) هل نصّت الآيات صراحة على النهاية الأخيرة؟:
عند التأمل في قوله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ…﴾ (الإسراء:7)
نجد أن جمهور المفسرين مثل ابن كثير والطبري ذهبوا إلى أن هذا الوعد قد تحقق تاريخيًا في العقوبة الثانية (الرومان).
لكنهم لم ينفوا قابلية تكرار السنّة.
قال ابن كثير:
“أي إذا جاء الوعد الثاني سلطنا عليكم عبادًا لنا…”،(ابن كثير، ج5، ص 65).
2) هل يمكن أن تتجدد السنّة في آخر الزمان؟:
نعم، لأن القرآن لا يذكر الوقائع فقط، بل يقرر سننًا مستمرة.
قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتي يغيروا ما بأنفسهم ﴾
وقال:﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
وهذا ما أكده ابن عاشور:
أن القصة ليست للتاريخ فقط، بل “للاعتبار بسنن الله”.
(ابن عاشور، ج15، ص 110).
3) الربط بين آيات الإسراء وأحاديث آخر الزمان:
وردت نصوص صحيحة تشير إلى صراع في آخر الزمان، منها قول النبي ﷺ:
“لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود…” (رواه مسلم).
وهذا يدل على أن هناك مرحلة أخيرة من الصراع، لكنها لم تُربط صراحة في القرآن باسم “الوعد الآخر”، بل تُفهم ضمن السنن العامة.
4) رؤية تفسيرية متوازنة:
يمكن تلخيص الرأي العلمي المنضبط في ثلاث نقاط:
الآيات تحققت تاريخيًا في المرتين (بابل والرومان).
لكنها تقرر سنّة متكررة: الفساد ، العلو العقوبة ، السقوط.
وبالتالي: لا مانع من أن يدخل الواقع المعاصر ضمن هذه السنّة من باب الاعتبار لا الجزم التفسيري القطعي.
5) خلاصة :
آيات سورة الإسراء لا تنص صراحة على “نهاية أخيرة لبني إسرائيل في آخر الزمان”،
لكنها تضع قانونًا إلهيًا حتميًا:
كل علوٍّ قائم على الفساد… نهايته السقوط
وكل طغيان مهما طال… مصيره الزوال
وهذا ما يجعل الآيات حاضرة بقوة في فهم الواقع المعاصر، دون تحميلها ما لم يرد فيها نصًا.
ثامنا :قصة مؤثرة من التاريخ:
يروي المؤرخ ابن خلدون في مقدمته أن الدول تمر بثلاث مراحل:
النشأة بالقيم
القوة بالعدل
السقوط بالظلم
وقال عبارته الشهيرة:
“الظلم مؤذن بخراب العمران.”
وهذا المعنى نفسه أكده القرآن قبل قرون طويلة.
قال الشاعر:
إذا ما طغى في الأرضِ قومٌ بجبروتٍ
فعدلُ الإلهِ سيأتيهم بميزانِ
وإن طالَ ليلُ الظلمِ فوق ربوعنا
ففجرُ الهدى آتٍ بلا استئذانِ
فلا تيأسنَّ فربُّ الكونِ وعدُهُ
حقٌّ… ويكسرُ عرشَ كلِّ طغيانِ
الواجب العملي :
رسالة هذه الآيات ليست سياسية فقط، بل تربوية للأفراد.
ومن الواجبات العملية:
محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين.
إصلاح القلوب بالقرآن.
نشر العدل في الأسرة والمجتمع.
تربية الأجيال على الأخلاق.
قال النبي ﷺ:
“أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.”
وصية للقلب :
يا صاحب القلب…
لا تنشغل بفساد العالم وتنسى إصلاح نفسك.
فالأمم لا تتغير إلا عندما تتغير القلوب.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ.حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
الخاتمة :
تخبرنا سورة الإسراء أن التاريخ ليس فوضى، بل محكوم بسنن إلهية.
فالطغيان قد يعلو…
لكن نهايته السقوط.
والفساد قد ينتشر…
لكن عاقبته الانهيار.
ويبقى وعد الله دائمًا:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
فكن من أهل التقوى والإصلاح،
حتى تكون من الذين يصنع الله بهم فجر الأمة القادم.
المراجع:
١)ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – دار طيبة – الرياض – 1999م.
٢)الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن – دار هجر – القاهرة – 2001م.
٣)القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – دار الكتب المصرية – القاهرة – 1964م.
٤)محمد الطاهر ابن عاشور – التحرير والتنوير – الدار التونسية للنشر – تونس – 1984م.
٥)الزمخشري – الكشاف – دار المعرفة – بيروت.
٦)ابن خلدون – المقدمة – دار الفكر – بيروت



