الجحود الصامت ..حين ينسئ الابناء لغة الامتنان

عبير عاطف
في داخل كل بيت، لا تُقاس العلاقات فقط بما يُقال، بل بما يُشعَر. هناك أمهات وآباء لا يشتكون، لا يطلبون، ولا يُعاتبون… لكن في أعينهم حكاية كاملة عن تعبٍ لم يُرَ، وعطاءٍ لم يُقدَّر. هنا يظهر ما يمكن أن نطلق عليه: الجحود الصامت من الأبناء.
ليس الجحود دائمًا كلمة قاسية أو موقفًا فجًّا، بل قد يكون أكثر خفاءً وأشد إيلامًا. أن يكبر الابن أو الابنة داخل بيتٍ ممتلئ بالعطاء، ثم يتعامل مع هذا العطاء وكأنه أمرٌ طبيعي لا يستحق الالتفات، فهذه ليست قسوة ظاهرة… لكنها جحود صامت.
الأم التي سهرت الليالي، والأب الذي تحمّل أعباء الحياة، لا ينتظران مقابلاً بقدر ما ينتظران شعورًا. كلمة تقدير، نظرة امتنان، أو حتى اهتمامًا صادقًا يُشعرهما أن ما قدّماه لم يذهب هباءً. لكن حين يصبح الصمت هو الرد، والتجاهل هو السلوك، تبدأ فجوة عاطفية في التشكّل دون أن ينتبه أحد.
ويظهر هذا الجحود في تفاصيل يومية بسيطة: حين لا يُسأل الوالدان عن حالهما، حين يُقابَل الاهتمام بالانشغال الدائم، حين تُختصر العلاقة في الطلبات فقط، وحين يغيب الامتنان كأنه لم يكن يومًا جزءًا من العلاقة.
ورغم أن كثيرًا من الأسر تُربّي أبناءها على الشكر والتقدير، إلا أن الواقع يكشف أن بعض الأبناء ينسون مع الوقت. لا لأنهم لم يتعلموا، بل لأنهم لم يُدركوا بعد قيمة ما كان يُقدَّم لهم. فليس كل من تعلّم الامتنان، يُحسن ممارسته. والمؤلم حقًا لا يقف عند حدود التجاهل، بل يمتد إلى كلمات صغيرة تخرج بسهولة من الأبناء، لكنها تُحدث أثرًا بالغًا في قلوب الوالدين. عبارات عابرة مثل: “ده واجبكم”، أو “كل الناس بتعمل كده”، أو حتى نبرة ضيق في رد بسيط… قد تمر دون انتباه، لكنها قد تكسر قلبًا، وتُدمع عينًا، وتُسقط في الداخل شيئًا لا يُرى.
هي كلمات قليلة في ظاهرها، لكنها عند الوالدين تختصر رحلة عمرٍ كامل من العطاء.
الأمر لا يقف عند حدود المشاعر فقط، بل يتجاوز ذلك إلى مسؤولية عظيمة. فقد قرن الله تعالى برّ الوالدين بعبادته، ونهى عن أبسط صور الإيذاء، فقال: “فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا”. فإذا كان التأفف منهيًا عنه، فكيف بالكلمات الجارحة، أو النظرات الحادة التي تُشعر الوالدين بالقسوة أو الجفاء؟ إن دمعةً تنزل من عين أم أو أب بسبب كلمة قاسية، ليست أمرًا هيّنًا، بل هي وجعٌ عظيم له قدره عند الله. والنظرة الحادة أو نبرة الصوت المرتفعة قد تكون في ميزان القيم إساءة لا تقل أثرًا عن الكلمة المؤلمة، لأن البرّ لا يكون بالفعل فقط، بل بالقول والهيئة والمشاعر.
العلاقة بين الآباء والأبناء لا تحتاج إلى معجزات لترميمها، بل إلى وعي صادق بالتفاصيل الصغيرة. سؤال دافئ، كلمة شكر، لحظة إنصات، أو اعتراف بسيط بأنهم كانوا دائمًا السند… كل ذلك قادر على إعادة الدفء إلى القلوب.
يظل الجحود الصامت أحد أكثر أشكال الألم خفاءً… لأنه لا يُسمع، لكنه يُوجِع. ويبقى الامتنان، مهما كان بسيطًا، قادرًا على إحياء قلوبٍ أنهكها العطاء، ومنح العلاقات معنى لا يُقدَّر بثمن.



