شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في 25 مارس 2026 انتشار مقاطع مصورة تُظهر أسرابًا كبيرة من الغربان تحلق بكثافة في سماء مناطق عدة داخل إسرائيل، خاصة فوق مناطق مثل تل أبيب وأحياء من يافا، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الجدل والتفسيرات المتباينة بين مستخدمي الإنترنت.
وفي تعليق له على هذه المشاهد، أشار المؤرخ والمرشد السياحي بسام رضوان الشماع إلى الخلفية التاريخية والجغرافية للمناطق التي ظهرت في الفيديو، موضحًا أنها مقامة على أراضٍ فلسطينية تاريخية، من بينها قرية الشيخ مؤنس وأحياء المنشية وغيرها من القرى التي تعرضت للتهجير خلال النكبة، وهو ما أضفى على المشهد بُعدًا رمزيًا لدى البعض. الغراب… طائر بين الأسطورة والمعرفة يحظى الغراب بمكانة خاصة في الثقافات الإنسانية عبر التاريخ، حيث ارتبط بالمعرفة والموت في آنٍ واحد. ففي التراث الديني الإسلامي، وردت قصة الغراب الذي علّم الإنسان كيفية دفن الموتى، ما جعله رمزًا للتعلم والبداية الحضارية. وفي اللغة الإنجليزية، تتعدد المصطلحات المرتبطة بالغراب وأنواعه: A crow = غراب A raven = الغداف (الغراب الأسود الحالك) A magpie = العقعق ومن الطرائف اللغوية أن مجموعة الغربان تُسمى: “murder of crows” أي “جريمة قتل من الغربان” بينما تُسمى مجموعة البوم: “parliament of owls” أي “برلمان من البوم” كما أشارت الباحثة “شين كين” إلى أن مجموعة الغربان قد تُسمى أيضًا: “unkindness” أي “عدم اللطف” “treachery” أي “خيانة” “conspiracy” أي “مؤامرة”
التفسير العلمي للظاهرة: على الجانب العلمي، قدمت الباحثة تامي بالونت تفسيرًا مختلفًا، حيث أوضحت أن: ظهور أعداد كبيرة من الغربان في إسرائيل خلال مارس 2026 يرجع على الأرجح إلى الهجرة الموسمية في الربيع وسلوك التجمع الجماعي، وليس إلى دلالات غامضة. تتجمع هذه الطيور بأعداد كبيرة من أجل الدفء والحماية، خاصة خلال فترات الانتقال بين الفصول. كما تُعد المنطقة مسارًا رئيسيًا لهجرة الطيور، حيث تشهد شهري مارس وأبريل تحركات كثيفة ومنتظمة. الغربان في الطبيعة والتاريخ تُعرف الغربان بأنها طيور ذكية للغاية، إذ أشارت تقارير ناشيونال جيوغرافيك إلى قدرتها على حل المشكلات، مثل إلقاء الحجارة في الماء لرفع مستواه والحصول على الطعام. كما أنها من الطيور القمّامة (scavengers)، أي التي تتغذى على الجيف، إضافة إلى افتراسها لصغار الحيوانات والبيض. وقد ارتبط وجودها تاريخيًا بساحات المعارك والمقابر والمشانق، وهو ما ساهم في تكوين صورتها الغامضة في الفولكلور الشعبي.
الغربان في مصر القديمة: في الحضارة المصرية القديمة، ارتبط الغراب ببعض الرموز الغامضة، حيث ورد في النصوص الهيروغليفية باسم “جبجا” أو “جابجو”. وتشير بعض الدراسات إلى أنه كان يُنظر إليه ككاتب في محكمة الآلهة، يسجل أعمال الموتى. كما ذكر الباحث أحمد الشاذلي أن بعض النصوص تشير إلى أن الموتى كانوا يسعون لمنع هذا الطائر من الشهادة ضدهم، بل وربما التحول إليه في بعض المعتقدات. الغربان في النصوص الدينية في العهد القديم، ورد ذكر الغربان في سياقين متناقضين: “تم تصنيف الغربان ضمن الطيور النجسة التي لا يجوز أكلها.” وفي المقابل: “أرسل الله الغربان لإطعام النبي إيليا أثناء الجفاف، في إشارة إلى قدرة الله على الرزق بوسائل غير متوقعة.” بين الواقع والتأويل تبقى ظاهرة تجمع الغربان في سماء إسرائيل حدثًا طبيعيًا في الأساس وفق التفسير العلمي، إلا أن تزامنها مع سياقات تاريخية وسياسية منحها أبعادًا رمزية لدى البعض. وبين العلم والأسطورة، يظل الغراب طائرًا استثنائيًا، يجمع في صورته بين الذكاء والغموض، وبين كونه كائنًا طبيعيًا ودلالة ثقافية عميقة ممتدة عبر العصور.