تقارير

أطروحات الدكتور مصطفى محمود عن مصر القديمة تحت المجهر

نصر سلامة

رغم التقدير العميق لقيمة وقامة المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود، وما تركه من إرث فكري ثري جمع بين العلم والفلسفة والدين، فإن الدقة العلمية تفرض التوقف عند بعض آرائه التي تناولت الحضارة المصرية القديمة، خاصة في ما يتعلق باللغة والعقيدة.
فقد سعى الدكتور الراحل إلى الربط بين عدد من الأنبياء في التراث الديني، وبين مفاهيم أو شخصيات وردت في المعتقدات المصرية القديمة. ورغم جاذبية هذا الطرح من الناحية الفكرية، إلا أنه – في بعض جوانبه – يفتقر إلى الضوابط اللغوية والمنهجية التي يقوم عليها علم Egyptology.
وفي هذا السياق، يشير المؤرخ والمرشد السياحي بسام الشماع إلى أن الربط بين اسم سيدنا آدم عليه السلام، والمعبود المصري أتوم، هو ربط غير دقيق لغويًا. إذ إن الاسم في المصرية القديمة يُكتب ويُنطق أقرب إلى “تم” ™، وليس “آتوم” كما شاع في بعض القراءات الحديثة.
وتؤكد النصوص الأصلية، وعلى رأسها متون الأهرام، طبيعة هذا المعبود ضمن سياق أسطوري خالص، بعيدًا عن أي إسقاطات دينية لاحقة. ومن أبرز هذه النصوص ما ورد في صيغة الترجمة الصوتية:
ḏd mdw in itmw:
ink itmw ḫpr ḏs.f m nnw,
ink rˁ m sp tpy,
iri.n.i ḏs.i m ḥꜣty.i,
rdj.n.i ḥꜣy.i m ḏrt.i,
ms.n.i šw,
ms.n.i tfnwt,
psḏ.n.i šw,
qes.n.i tfnwt,
ḏr.n.i.sn m kꜣ.i
وترجمتها:
“كلمات تُقال بواسطة تم:
أنا تم، الذي خلق نفسه بنفسه في نون،
أنا رع في المرة الأولى،
خلقتُ نفسي من قلبي،
وأخرجتُ مني بذرتي بيدي،
فأنجبتُ شو،
وأنجبتُ تفنوت،
بصقتُ شو،
وتقيأتُ تفنوت،
ونشآ من كياني.”
ويكشف هذا النص بوضوح أن تصور الخلق في العقيدة المصرية القديمة ذو طابع رمزي أسطوري، لا يمكن مطابقته مع المفهوم التوحيدي في الأديان السماوية، ولا يصح إسقاطه على شخصية نبي كآدم عليه السلام.
ويمتد الخلط اللغوي إلى أسماء أخرى، مثل ما يُعرف باسم أوزوريس، وهي تسمية يونانية متأخرة، بينما الاسم المصري الأصلي هو “وسير” أو “أوسير”. وهو ما يضعف محاولات الربط الصوتي أو الديني التي ظهرت في بعض الطروحات.
كما أن الأساطير المرتبطة بـ”وسير”، ومنها زواجه من أخته إيزيس، تؤكد أننا أمام منظومة أسطورية متكاملة، لا يمكن مقارنتها بسير الأنبياء أو تحميلها دلالات دينية سماوية.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في الطرح ذاته، بقدر ما يرتبط بالمنهج المستخدم في قراءة هذه الحضارة. فمصر القديمة تمتلك نظامًا لغويًا وعقائديًا خاصًا، لا يمكن فهمه إلا في إطاره العلمي الدقيق.
وفي النهاية، يظل الدكتور مصطفى محمود أحد أبرز رموز الفكر العربي، غير أن النقد العلمي الموضوعي يظل ضرورة، خاصة في مجال دقيق كعلم المصريات، حيث لا مجال للاجتهاد خارج حدود التخصص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى