مقالات

الحماية الأمريكية والخديعة الكبرى

بقلم: د. غادة محمد عبد الرحمن 

تأتي ذكرى احتلال العراق هذا العام تزامناً مع اشتعال الحرب الصهيو أمريكية ضد إيران، والتي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وكأن منطقة الخليج العربي على موعد مع القدر المرير، فمنذ ثلاثة وعشرين عاماً وتحديداً في يوم العشرين من مارس عام ٢٠٠٣م كانت المنطقة في مواجهة التحالف الشيطاني بالقيادة الأنجلو أمريكية، حيث الغزو الإجرامي لدولة العراق، الذي جاء تحت شعارات براقة كنشر الديمقراطية بين أبناء الشعب العراقي، وتخليصه من نظام دكتاتوري مجنون يمتلك أسلحة دمار شامل، ويهدد السلام العالمي، وذلك كما تم تصويره أمام العالم من خلال آلة الإعلام الجهنمية التي شوهت الحقائق وبثت الأكاذيب بما يخدم المخططات الاجرامية، التي تهدف إلى تمزيق الدول واغتصاب الأرض ونهب الثروات وتشريد الشعوب. 

 

ومع الأسف انخدع الكثير من أبناء دول الخليج في تلك الشعارات الزائفة، ووجدنا فيهم من يهلل بمجيء الجحافل الغازية التي رأوا فيها المنقذ والمخلص من نظام دموي يمثل خطورة على أمن دول الجوار وسلامة أراضيها، وقبلوا بأن تكون أراضيهم رأس حربة ينطلق منها تتار العصر لمهاجمة دولة العراق الشقيقة، ليفعلوا بها الأفاعيل من قتل وهدم وتخريب وإبادة لكل أشكال الحياة فوق أرض الرافدين، وهذا ما واجهه الشعب العراقي الباسل بكل شراسة، حيث قام الجيش العراقي بمقاومة أسطورية دامت لأكثر من أسبوعين، وذلك حتى يوم التاسع من أبريل ودخول قوات الاحتلال إلى العاصمة بغداد وتفكك منشآت الدولة بما فيها المنشأة العسكرية لتبدأ المقاومة مرحلة جديدة من النضال حيث حروب الشوارع والدروب، والتي أذهلت العالم لما كبدته للعدو من خسائر فادحة أفقدته توازنه وحطمت الكثير من أهدافه الخفية لتلك الحرب.

 

وتمر السنون وتدق طبول الحرب في المنطقة من جديد، وتعلن أمريكا وطفلتها المدللة الحرب على إيران، لتدخل دول الخليج دائرة الصراع دون أن تكون طرفا فيه، حيث قامت إيران بتصويب الضربات على الأهداف الأمريكية في المنطقة، والمتمثلة في القواعد العسكرية المنتشرة بمنطقة الخليج، وذلك ردًا على الهجوم الأمريكي البربري والمنطلق من هذه القواعد؛ لتصبح كل من المملكة السعودية ودولة الكويت ودولة الإمارات ودولة قطر ودولة البحرين في مرمى النيران الإيرانية، وهذا ما نتج عنه خسائر كبيرة تكبدتها هذه الدول، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو الخسائر المادية، وهنا ظهر الوجه الحقيقي لأمريكا التي تدعي حرصها على أمن وسلامة حلفائها من دول الخليج، ومع ذلك لم تبدِ أي رد فعل ملموس تجاه ما يحدث مع هذه الدول من قصف وتدمير. 

 

لقد أسقطت الحرب الصهيو أمريكية ضد إيران اخر ورقات التوت التي كثيرًا ما تسترت بها أمريكا لتضفي الشرعية على أعمالها الإجرامية، وأكدت مجددًا أن الاحتماء بأمريكا مجرد سراب ووهم كبير، يتلاشى مع أول اصطدام مع الواقع، مثل ما حدث مؤخرًا مع دول الخليج التي سمحت لأمريكا باستخدام أرضها وسمائها في مهاجمة أشقائها في العروبة والإسلام طمعًا في الحماية والأمان، وها هي الآن تقف بمفردها في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

 

وأخيراً، على دول المنطقة، وبالأخص دول الخليج العربي، الاستيعاب الصحيح للأمور والتفهم السليم لحقيقة الحماية الأمريكية التي تصب كل الاهتمام على أمن وسلامة الكيان الصهيوني، أما أمن وسلامة غيره من الدول مجرد وسائل تستخدم بما يتوافق مع مصلحتها العليا؛ فالأمن والاستقرار قيم ذاتية تستمد من القوة الداخلية للدول، أما الاعتماد على قوة تأتي من خارج الحدود لتحقيق الحماية ونشر الأمن فهذا درب من الخيال وخديعة كبرى، ومن يسمح لنفسه أن يُخدع فعليه أن يتحمل النتائج.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى